الاثنين، 3 مارس 2008

«أبونيه» أسامة الباز

المكان: محطة مترو «سعد زغلول»
الزمان: السابعة من مساء الأحد الماضي
(١): الرصيف مزدحم بالناس علي غير المعتاد في مثل هذا التوقيت، وأنا متوكئ علي عصاي أشق طريقي بين الزحام حتي مقدمة الرصيف، باب عربة المترو ينفتح أمامي، دون أن تظهر فيه ثغرة تسمح بالمرور، العربة «كومبليه» لم ينزل منها أحد، ومع ذلك ركب جميع المنتظرين علي الرصيف.. كيف؟ «لا تتعجب.. إنها إرادة الله»!
(٢): أنا في داخل المترو بعد أن جرفتني موجة البشر إلي الداخل، في البدء خاب رهاني في العثور علي راكب يترك مقعده بشهامة لشاب يتوكأ علي عصا مثلي، وتغيرت خططي إلي النضال من أجل مستقر آمن في ركن بعيد عن الباب، خوفاً من أن تجرفني موجة أخري إلي الخارج في محطة «أنور السادات» التالية، والتي تشهد مع زميلتها محطة «حسني مبارك» أكبر عملية تلاحم بين الشعب المصري بمسلميه ومسيحييه.. برجاله ونسائه.. بشيوخه وأطفاله، تلاحم بين موجات داخلة وموجات خارجة، نادراً ما ينتهي دون ضحايا.
(٣): أنا مازلت أخترق الصفوف في اتجاه الباب الخلفي، بينما هو يناضل بين غابات البشر ليحافظ علي ثبات وقفته، استقرت عدستا عيني عليه، إنه هو ولا يمكن أن يكون شبيهاً له، لكن لا مانع من التأكد: «إزيك يا دكتور أسامة؟» هكذا قلت فور أن أصبحت في مواجهته. ورد بلكنته الشهيرة: «الحمد لله.. الله يخليك».. إنه هو بعينه أسامة الباز إذا كنت مازلت تتذكره «المستشار السياسي لرئيس الجمهورية» يقف في عربة المترو مثله مثلي يتلقي «زغدة» من هنا وكتفاً من هناك، ويطغي أحدهم بحذائه الغليظ علي حذائه اللميع دون أن يعتذر.
(٤): الرؤية تزداد وضوحاً بعد «محطة السادات» كثافة الزحام تقل بالشكل الذي يسمح لي بتسليط عيني «زوم إن» علي قبضة يده اليمني أصابعه تلهو بتذكرة مترو بيضاء «اشتراك» ـ لوهلة مثلك لم أصدق ـ اقتربت بالعدسة «الرباني» أكثر من أصابعه.. تذكرة بيضاء بخط أسمر في المنتصف، «أبونيه» موظفين رسمي يتنقل به المستشار السياسي لرئيس الجمهورية بين محطات المترو، مترجلاً ووحيداً و ـ لا مؤاخذه ـ مواطناً.
(٥): حوار بسيط وسريع دار بيني وبينه : اسمي أحمد الصاوي صحفي في «المصري اليوم».. أهلاً بك، وأنا أسامة الباز «دبلوماسي» بالقطع أعرف من هو، لكن هؤلاء الذين يزاحمونه ويتركونه واقفا ربما لا يعرفون، والأرجح أنهم يعرفون، لكن أكثرهم غير مكترث، وبعضهم يقول: طالما قبل عيشتنا فليتحملها دون استثناءات.
اقتربت منه أكثر: «إنت لسه مقاطع الموبايل؟.. طبعاً لا أحبه ولا أستخدمه».. «أنا رايح حفل توقيع كتاب في المعادي.. وأنا في طريقي لزيارة صديق».
(٦): ألف سؤال دار في رأسي في دقائق معدودة استغرقتها الرحلة القصيرة ما بين السياسة والتاريخ، كنت أعرف أن وجوده في المترو ليس رد فعل لخروجه الفعلي من «المطبخ المركزي»، الذي يذيق الناس إنتاجه طوعاً أو كرهاً، أسمع أن تلك قناعته وثقافته واختياره، أن يعيش باسمه وليس بمركزه، قال لي أصدقاء كثيرون إنهم شاهدوه علي المقاهي ومترجلاً في وسط القاهرة، لكنني في هذه المرة: «شفت بعيني ما حدش قالي».
(٧):٣٠ عاما قضاها الرجل خلف الستار في أعلي وأقوي مواقع النفوذ كفيلة بتفجر الأسئلة، لكنني سألت نفسي: هل من اللائق أن أفسد علي الرجل هذه اللحظة التي ينسي فيها وظيفته، وربما يستمتع بوقوفه بين بشر لا يكترثون به لأقوم «بغتاتة» بلفت أنظار هؤلاء إلي وجود رجل من علية القوم بينهم؟! لا يليق ولا يجوز والأرجح أيضاً أنه لن يفيد.
(٨): وصل المترو إلي محطة «المعادي»، حيث من المفترض أن أنزل، استأذنته في الانصراف، أعرب عن سعادته بالفرصة «مجاملة دبلوماسية» بينما عيناه تكنان امتناناً لنهاية الصحبة دون تضييق أو مزيد من التطفل، صحبة انتهت بأقل الخسائر.. نزلت والرجل لايزال مسنداً ظهره علي الباب الخلفي، دون أن يكترث به أحد، وهو ما يريده بالفعل.
(٩): بعض الأصدقاء يحمِّلون الرجل مسؤولية تاريخية عن كل ما يحدث في هذا البلد، يصفه صديق بأنه أحد صناع «الاستبداد» في مصر، وأحد منظري حالة «اللا قمع.. واللا حرية»، لكنني ما إن خرجت من باب المترو حتي توصلت إلي ما أدعي أنه حقيقه.. ٣٠ عاما وهذا الرجل يعيش في القصر، يتنقل مترجلاً ويستقل المواصلات العامة ويرتاد المقاهي.. ومع ذلك لم يغير بسلوكه أي شيء طوال هذه المدة، مازال أصغر مسؤول في البلد قادراً علي إغلاق أهم إشارة مرور حتي يمر، وقادراً علي تفريغ المترو من ركابه، إذا ما جاءته الرغبة لارتياده، ٣٠ عاما لم يغير سلوك أسامة الباز شيئاً.. فهل كان من الممكن أن تساهم «مشورته» في أي تغيير.. الأرجح أنه كان مستشاراً لا يستشار، وإذا استشير لا يؤخذ بمشورته، إلا إذا لاقت هوي عند صاحبها.. الغريب أن كل هذا يطرح سؤالاً آخر: لماذا قبل واستمر.. ومازال؟! تلك قضية أخري!!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق