الخميس، 28 فبراير 2008

تلفيق الموت والحياة

ما قرأته في «المصري اليوم» أمس ليس قصة سينمائية، إذا كنت قرأت، فأنا أقصد ما نشرته زميلتنا فاطمة أبو شنب في الصفحتين الأولي والرابعة عشرة، وإذا كنت لم تقرأ فأنصحك بالعودة إلي عدد أمس من المصري اليوم، طالعه علي الانترنت أو قم بشرائه بأي ثمن، لكن لا تسمح بأن يفوتك هذا العدد بالتحديد.
أستطيع أن أحكي لك ما تضمنه تقرير فاطمة بالتفصيل، لكنني لا أريد أن أحرمك من لحظة الدهشة والعجب، لحظة ضرب الكف علي الكف، اللحظة التي تهون فيها كل الأساطير التي تكتظ بها الدراما التليفزيونية، وكل الخدع السينمائية التي يتفاخر بها صناع الفن السابع، لا واقعية أوضح من ذلك، ولا تراجيديا تفوق هذا، فاليوم سقط شكسبير من علي عرش إبداعه ليحتل مكانه بامتياز ضباط مباحث طنطا، أو علي الأقل ــ حتي لا نعمم ــ فريق المباحث الذي كان يعمل هناك قبل ٨سنوات مضت.
شقيقان اتهمهما رئيس المباحث بقتل آخر، وأصر في اتهامه وتسبب في الحكم عليهما بالأشغال الشاقة المؤبدة، وبعد قضائهما ٨ سنوات خلف القضبان فوجئا بالقتيل اللذين يقضيان عقوبة قتله يزاملهما في السجن حياً يرزق معهما من نفس «الأروانة».
المسألة ليست خطأ في الإجراءات أو التحريات ــ كما يمكن أن تتخيل ــ وليست أدلة مادية صارخة، هي كما قلت لك سابقاً إصرار من رئيس المباحث علي تلفيق الموت والحياة، وتقديم الشقيقين لمذبح الترقيات والمكافآت.
من واقع تقرير فاطمة أبو شنب «الخطير جداً» اتهم الرائد خالد إبراهيم رئيس مباحث قسم أول طنطا الشقيقين إبراهيم ومحمد أبو السعود بقتل حاتم رمضان عبد السميع وشهرته «شكمان» بعد أن أبلغ أحد الشقيقين ـ ويعمل زبالاً ـ عن عثوره علي جثة لمجهول في مقلب الزبالة. الرائد أصر علي أن الجثة لشكمان، رغم أن أحداً لم يتعرف عليها حتي أهل شكمان نفسه، ثم أحضر شاهدين أجبرهما علي الاعتراف علي الشقيقين مستخدماً التعذيب والإرهاب، والأدهي أن «شكمان» نفسه كان يعلم عن اتهام الشقيقين بقتله، وحاول الوصول للمحكمة لإثبات أنه علي قيد الحياة، لكن ضابط المباحث هدده وتوعده ونفاه إلي دمياط حتي حكمت المحكمة علي الشقيقين بالأشغال المؤبدة.
كل هذه الوقائع لم تسردها فاطمة من خيالها، إنها من واقع محضر رسمي لمأمور سجن طنطا أقر فيه المتهمان بما سبق، وأقر فيه «القتيل الحي» أنه لا يزال علي قيد الحياة، وأن المباحث هي التي لفقت موته، وأصرت عليه، حتي إن أهله لم يتعرفوا علي الجثة المجهولة وقرروا أنها ليست جثته، ورفضوا استلامها لدفنها.
كل ما حكيته لك يجب ألا يمنعك من العودة إلي عدد أمس وقراءة التقرير كاملاً.. فالسطور التي سبقت ليست إلا «الأفيش» لكن التفاصيل أكثر إثارة، وتتابع المشاهد أكثر دراماتيكية، خاصة السيناريو الذي وضعه الرائد خالد إبراهيم حول دوافع القتل، وطريقته.
قبل ٨ سنوات كان الرائد خالد إبراهيم رئيساً لمباحث قسم أول طنطا، والعقيد شكري حامد وكيلاً للمباحث الجنائية بالغربية، والنقباء أيمن صالح، ووليد الصواف، ومحمد خضير، إلي جانب الملازم أول محمد عاصم ضباطا ومعاوني مباحث في الغربية، وكانوا جميعاً أعضاء فريق البحث والتحري الذي قطع بيقين كامل أن الجثة التي تم العثور عليها في مقلب الزبالة هي جثة «شكمان» ــ رغم نفي أهله ــ وأن قاتليه هما الشقيقان محمد وإبراهيم أبوالسعود، وأن الجريمة تمت بدافع سرقة ١٥٠ جنيهاً. قالوا لشكمان: «مت» فمات، وتحمل وزر دمه شقيقان، متهمان بريئان في جريمة قتل رجل حي، هذا هو التجديد الذي قدمته مباحث طنطا لدراما التجاوزات في أقسام الشرطة.
اليوم كل من الأسماء السابقة من المفترض أن رتبته تضاعفت، ومسؤولياته تزايدت، ووضعه المهني ازداد «باشاوية» ونفوذاً خلال ٨ سنوات من العمل.. لن أسود الدنيا في وجهك وأقول لك إن التعذيب منهجي في أقسام الشرطة وأن كل ضباط الشرطة هؤلاء.. ولن أدعو ــ بثورية شاب منفعل ــ وزير الداخلية للاستقالة أو الاعتذار، لن أطلب منه تحمل وزر رجاله، وهو الأحق بالمسؤولية، أعرف أنه سيفتح تحقيقا كاملا في المسألة، وربما ينتهي بتسليم الضباط إلي قصاص القضاء كما حدث مع غيرهم.
 لكنني فقط أريد أن أعرف رتبة كل منهم الآن، وموقعه بالضبط، قولوا لنا: أين الضباط خالد إبراهيم، وشكري حامد، وأيمن صالح، ووليد الصواف، ومحمد خضير، ومحمد عاصم، الذين كانوا في مباحث الغربية قبل ٨ سنوات، الآن ؟ وما المواقع التي تشغلها ــ نماذج كتلك ــ حالياً، سمحوا لأنفسهم بتلفيق الموت والحياة من أجل ترقية أو علاوة، ومازالوا يؤتمنون علي مصائر الناس وقضاياهم وحقوقهم حتي الآن. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق