الاثنين، 4 فبراير 2008

دوللي شاهين و سايكس بيكو

* قبل ٦ سنوات كان علي المنبر يزهو ويتباهي بفوز المنتخب الإيراني لكرة القدم علي المنتخب الأمريكي بهدفين مقابل لا شيء، في إطار منافسات كأس العالم لكرة القدم التي جرت في ألمانيا.
يومها فوجئنا بأن خطبة الجمعة موضوعها رياضي بدأها بالإشادة بلاعبي إيران وبمستوي التكتيك الذي اعتمده مدربهم، وانتهي منها إلي اعتبار الفوز هزيمة منكرة لدولة الشر والتجبر والكفر، ودليلاً علي أن المنهج الإسلامي الذي اعتمدته إيران قادر علي الصمود في وجه أمريكا بجلالة قدرها و«مرمغة» اسمها في الوحل وإلحاق شر الهزائم بها!
وأنهي الرجل خطبته داعيا الناس إلي العودة إلي الإسلام ويومها سنهزم أمريكا في كل شيء، معتبراً أن النصر الإيراني ليس مجرد انتصار في مباراة كرة قدم بقدر ما هو نصر «تاريخي» يحمل تأكيداً علي أن هذا الكيان الشرير «أمريكا» ينتظره مصير عاد وثمود ودولة الفراعين «الكفرة عبده الشمس والأصنام»، وأن هزيمته والقضاء عليه ممكنة جداً، فقط علينا أن نحذو حذو إيران، ونصدق القول والفعل والإخلاص، ويومها ستنصرنا السماء كما نصرتنا بملائكة تحارب في بدر، وفي حرب أكتوبر، وأخيرا في مباراة إيران مع أمريكا في كرة القدم!
* بضع سنوات مضت وكان لي نصيب وأديت فريضة صلاة الجمعة في نفس المسجد، وكان الرجل ــ للمصادفة ــ مازال علي نفس المنبر وهذه المرة كان موضوع خطبته الآية الكريمة «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة»، وكانت المناسبة هي إعلان الرئيس مبارك ـ ومن قبله نجله جمال ـ دخول مصر عصر الطاقة النووية، وما لحق ذلك من إجراءات تنم عن «جدية الشروع في إنشاء أول محطة نووية سلمية لتوليد الطاقة»، لكن الرجل اعتبر أن الإعلان أيضاً قرار تاريخي وتأكيد علي دخول مصر العصر النووي لتلحق بكل من سبقها في «النادي النووي»، وتستعد للأعداء بقوة ردع جديدة كفيلة بحماية مصر والعرب والمقدسات الإسلامية!
واستطرد الرجل داعياً إلي تحالف نووي بين الدول الإسلامية «باكستان وإيران ومصر» وتبادل الخبرات للوصول إلي درع إسلامية كبري تفرض مظلتها علي كل العالم الإسلامي وتواجه الهيمنة والاستعمار والاستعلاء الغربي الصليبي!
* قبل أسابيع كان الرجل في المكان والمقام نفسه يعدد أسماء المشاهير في الغرب الذين أشهروا إسلامهم بعد أن اكتشفوه علي حقيقته، وتخلصوا من تأثير الإعلام «الصليبي» الذي يشوه صورة الإسلام والمسلمين، ومن محمد علي كلاي إلي مايك تايسون مروراً بسيرة الأميرة ديانا ــ التي أصر علي أنها ماتت مسلمة وشهيدة ــ و انتهاء بدوللي شاهين التي قال إنها أسلمت وأشهرت إسلامها في الأزهر الشريف بينما تناضل في ساحات القضاء للتطليق من زوجها الذي رفض إشهار إسلامه وفضل البقاء علي ديانته المسيحية المارونية.
دوللي شاهين اللبنانية الجنسية والمصرية الإقامة والمسلمة الديانة، تحولت عند صاحبنا إلي رمز جديد من رموز الإسلام وتأكيد علي انتشاره، حتي إنه دعا المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إلي التضامن معها ودعمها في معركتها للتخلص من زوجها الذي لا تجوز استمرار العشرة معه شرعاً، مضيفاً أنها صارت من نساء الإسلام شرفها من شرف المسلمين، وعرضها من عرضهم!
ولم ينس، وهو ينهي خطبته بالدعاء، أن يدعو لدوللي بالنصر والثبات وقوة الإيمان.. والناس في المسجد يرفعون أكفهم إلي السماء في تضرع ويرددون خلفه: «آآآميييين»!
* كانت الأولي مجرد مباراة في كرة القدم لن تهز أمريكا كدولة ولن تضيف لإيران كأمة، وكانت الثانية مجرد شروع في إنشاء محطة توليد كهرباء نووية وسلمية لم توضع فيها بعد طوبة واحدة، وكانت الثالثة امرأة أسلمت لن تضيف للإسلام شيئاً مهماً ولن تخسر المارونية بسببها شيئاً مهماً، حتي لو كانت مطربة مثل دوللي شاهين.
* لكن المفارقة أني رأيت نفس الرجل قبل أيام في نفس المسجد وعلي نفس المنبر يصف تفجير الفلسطينيين أجزاء من الجدار الحدودي بأنه فتح جديد وهزيمة نكراء لقوي الاستعمار التي وضعت هذه الحدود المصطنعة بين أبناء الأمة الواحدة، ونهاية تاريخية لاتفاقية «سايكس بيكو» التي وضعت هذه الحدود!
* أخيراً انتصرنا علي الاستعمار وهزمنا «سايكس بيكو» وأعدنا صنع التاريخ.. وتحيا الوحدة العربية..!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق