| كان الرجل ممدداً علي فراشه في أحد مستشفيات العاصمة العراقية بغداد، يقاوم أوجاعه بالمسكنات حيناً، وبالذكريات أحياناً أخري، في الوقت الذي تملكه حنين جارف لوطنه الذي غادره في مطلع الثمانينيات دون زيارة واحدة طوال ٢٧ عاماً هي عمر غربته، وعمر نجله الوحيد الذي حمله رضيعاً حين غادر البلاد. يقولون إن الرجل هو نفسه عواد الذي «باع أرضه ياولاد» قبل ٣٠ عاماً ليسافر إلي الخليج، ويستقر في العراق، تتقاذفه أوهام الثروة وأوجاع الحرب حتي أوقعه انفجار في وسط بغداد كان أحد ضحاياه، شعر الرجل بدنو أجله وتأكد أن ٢٧ عاماً من الغربة ذهبت سدي جري خلالها خلف سراب حتي إنه لم يفعل شيئاً لنجله الشاب يؤمن به مستقبله. تذكر الرجل بينما نجله في حضرته أنه حين باع أرضه استثمر جزءاً من ثمنها في سيارة أجرة تعمل بين المحافظات في موقف أحمد حلمي -الذي صار حالياً بعد تطور مذهل وإنجاز حضاري غير مسبوق موقف عبود!- قال لولده: «عد إلي القاهرة واسأل عن أعمامك الذين شاركوني وقتها في ثمن السيارة واختاروا لها سائقاً محترفاً كان في الأصل يقود سيارات الإمداد والتموين في فترة الحرب، وكان صاحب أول (نقلة برية) عبرت القناة بالذخائر والمؤن في هذه المعركة المجيدة قبل خروجه علي المعاش». واصل الرجل: «في ذلك الوقت (اخترناه) ليقود السيارة ووعدنا بأننا في خلال سنوات معدودة سنمتلك بدلاً من السيارة أسطولاً، وربما شركة لنقل الركاب وأخري لنقل البضائع». وفي القاهرة بذل الشاب جهداً خارقاً للعثور علي أعمامه حتي وجدهم يعيشون في منزل متهالك في إحدي المناطق الشعبية، يقبلون الصدقات (والمعونات) من الآخرين، ويعيشون الكفاف كما ينبغي أن يكون، لم يرحبوا به كأعمام حقيقيين جاءهم فتي يافعاً (من ريحة المرحوم أخوهم)، ربما تساءلوا فيما بينهم: كيف سندبر له لقمته ومأواه؟ سألهم الشاب عن السيارة فوجدها موجودة بالفعل والسائق نفسه مازال قائدها الأوحد، لكنه تعجب فالسيارة لم تلد أسطولاً كما أخبره والده، سأل عمه الأكبر أجابه بحسرة: «منها لله المطبات» ولم يفسح، تذكر نكتة قديمة وظن أن أعمامه لم يستأمنوا السائق فحرصوا علي الركوب معه جميعاً في كل رحلة بما لا يجعل هناك مكاناً لاجتذاب زبائن، لكن أعمامه أجمعوا: «اخترناه وفوضناه ورضينا منه بالقليل ولا نملك أن نحاسبه». اتجهت شكوك الشاب نحو السائق تشكك في ذمته، رفضت جدته وقالت إنه رجل (نزيه) يصحو كل يوم في السادسة صباحاً يمارس رياضته المفضلة ويتناول فطوره ثم يذهب إلي الجراج يخرج بالسيارة يغسلها ويزينها ثم يعود بها إلي الجراج مرة أخري ويغطيها ويرحل (عشان يشوف حاله في سبابيب تانية). ارتدي الشاب معطف مفتشي المباحث وخرج يتحري عن السائق والسيارة في كل مواقف السيارات وعلي كل الطرق السريعة والصحراوية والزراعية والفرعية لم يستدل أحد عليه أو علي السيارة، عاينها بنفسه فوجد أن عدادها لم يقطع إلا بضعة كيلو مترات وكانت (بخيرها) حسب وصف الميكانيكي. (الرجل لا يعمل.. لا يخرج بالسيارة.. ٢٧ عاماًَ يدور بها حول نفسه في ذات المربع الذي يقطنه.. لماذا سكتم؟!) قالها الشاب صارخاً في أعمامه وجدته بعد أن توصل للحقيقة وعرف أن السيارة لا يمكن أن تلد أسطولاً وهي لا تعمل ولا تدر دخلاً، قالت جدته: «غُلبنا معاه كلما قلنا له اخرج بالسيارة يقول: مش عاوز مطبات».. ويقول عمله الأكبر كلما اخترنا خط سير وطلبنا منه أن يعمل عليه يخبرنا بأنه «وعر» وهو لا يريد الدخول في مطبات، وقال عمه الأصغر: قلنا له شرَّق يمين قال: مطبات، قلنا له: غرَّب شمال قال: عين القطة، قلنا له: اطلع طوالي، قال: الرادار! عرف الشاب أن السائق لا يهوي (المغامرات غير المحسوبة) ويعتبر خروجه بالسيارة مغامرة ربما تفسد (العفشة) بسبب المطبات، وربما يتعرض لحادث يقضي عليه وعلي السيارة فيكون كمن (وضع رأسه في فم الأسد)، وجد أعمامه صامتين لا ينبسون بكلمة رفض ولا يعترضون خاصة حين جاء السائق يهددهم: «ناس بينكم عاوزين شوشرة وده مش حلو»، قالها للأعمام متوعداً فانكمشوا، صرخ الشاب: «٢٧ سنة وانت واقف مكانك»، رد السائق في هدوء الواثق: «لكنني حافظت علي السيارة تلك هي المهمة الأسمي.. اسألني إذا كان انتقص منها (أوكرة باب) وحاسبني»، سأله الشاب: واستثماراتنا وأموال أبي وأعمامي؟ رد السائق بثقة: «محفوظة اشتريتموها بـ٦ آلاف وهي الآن بـ٥٠ ألفاً». كان السائق يحتج دائماً بأن الطرق كلها مطبات وتلك المطبات ليست من صنعه، لكن اللافت أن الأسرة بدأت تفكر في الأمر لأول مرة بعد جمود وقبول بالواقع استمر ٢٧ عاماً، صاح العم الأصغر كمن اكتشف القنبلة الذرية: (وجدتها.. وجدتها: نبيع السيارة)، وقال الأكبر: نؤجرها، وقالت الجدة: ولماذا لا نزيل المطبات من الطرق؟.. الغريب أن أحداً لم يقترح استرداد السيارة.. وتغيير السائق! |
أنا مش تبع مخلوق يا سيدنا البيه - أنا حُر في إللي يقول ضميري عليه - وإن كنت تُحكم جوا ملكوتك - الشارع الواسع فاتح لي إيديه
الاثنين، 7 يناير 2008
بلد «مطبات» صحيح!
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق