الأحد، 30 ديسمبر 2007

الموت علي عتبة الدار

* خمسة أرغفة من الخبز البلدي كانت سبباً في خروج «سعيد» من منزله في ساعة مبكرة من صباح يوم ما، لكنه لم يعد ولم تأت الأرغفة الخمسة لتسد جوع أطفاله.. ببساطة مات في الطابور!!
* عشرون جنيهاً كانت هدفا لعبدالباسط، أحضر مطرقته وفأسه وجلس علي الرصيف ينتظرها يوماً واثنين وثلاثة، حتي جاءته عبر مقاول أنفار دفعه لأعلي «سقالة» في عمارة لا يحلم بالسكن فيها، لكن ساقه المنهكة انزلفت فسقط من أعلي، وببساطة أيضا.. مات!!
* آلام مبرحة في البطن أعاقت «أم الخير» عن استرزاقها من بيع الخضروات علي قارعة حارتها، ولأن غياب يوم يعني الجوع هرعت إلي المستشفي الحكومي لتعرف أنها الزائدة الدودة، تستسلم لمشرط الطبيب بعد أن تدفع ثمن كل شيء «الحقنة والخيط، والمُسكن» تخرج وتستمر الآلام.. وتموت.. ببساطة نسي الطبيب مشرطه في بطنها!!
* حلم الكرة كان وراء خروج «نعيم» ذي السبعة عشر ربيعاً ساعة العصاري من كل يوم ليمارس هوايته في آخر قطعة فضاء تصلح للعب في منطقته الشعبية، لكن كشك الكهرباء المجاور للملعب يستغل اقترابه لإحضار كرة طائشة، ولا يسمح له بالعودة، وببساطة أشد.. مات!!
* «أنا» كنت هناك علي الطريق الزراعي قبل ٦ أشهر في طريقي إلي عملي، أخطط لمستقبلي، وأنا أتطلع للحقول المتراصة علي الجانبين من طنطا إلي القاهرة، حين اهتزت السيارة بغتة بفعل اصطدام من الخلف ـ، واستقرت بجوار شريط السكة الحديد، لكنني ببساطة مماثلة .. لم أمت!!
وإنما شاهدت الموت رأي العين، وارتضيته في ثوان معدودات واستسلمت له تماما، حتي كانت رحمة من ربك بالتأجيل إلي أجل مسمي.
* في بعض كتب الفقه والسيرة رواية لا أستطيع أن أجزم بمدي صحتها، وإن كنت علي الأقل لا أجد مبررًا لتكذيبها تقول: «إن نبي الله موسي عليه السلام كلم ربه داعيا وراجيا أن يمد في أعمار أمته مثل قوم نوح الذين كانوا يعيشون ما بين الـ ٩٠٠ والألف سنة، بينما تقول تلك الكتب أن الأعمار في عهد موسي كانت من الممكن أن تصل إلي ٢٠٠ سنة، وموسي نفسه مات عن ١٢٣ عامًا، فقال الله عز وجل لكليمه موسي إن أمة تأتي من بعدك أعمارها بين الـ ٦٠ عامًا والـ ٧٠، فقال موسي: «والله لو تعلم هذه الأمة ـ يقصدنا ـ أعمارهم.. لبنوا قبورهم علي أعتاب دورهم».
* ليس المقصود بالطبع أن تبني قبرك علي عتبة بيتك، لكن أن تدرك أن الموت قريب منك، قد يأتي في أي لحظة وبأتفه سبب، وربما في وقت لم تشعر بأمان مثله من قبل، وأن تتعظ دون أن تشغل نفسك بانتظاره، والفارق كبير بين الانتظار والاستعداد، تبينه المعادلة الحسابية الخالدة: «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا.. واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا».
* ربما تسأل: «لماذا أسقط أولياء أمورنا في كل مواقع المسؤولية الجزء الثاني من هذا القول الشريف واكتفوا بالأول الذي يخص الدنيا؟ هل أمنوا مكر الموت؟! أم أشعرتهم (بروجهم المشيدة) أن هذا الموت ما هو إلا مرض لا يداهم إلا الفقراء، أو علي الأقل لن تخترقهم (فيروساته) إلا بعد عمر طويل جداًًًً يفوق متوسط أعمار العامة والغوغاء، ويكونون في ذلك الوقت قد شبعوا من الدنيا.. ولن يشبعوا».
* الأرجح أنهم أمنوا ألا يموتوا في طوابير العيش، أو يسقطوا من فوق سقالة، كما أمنوا بالطبع ألا ينسي طبيب مشرطًا في بطونهم، لأنهم لا يأكلون الخبز الذي ينتجون، ولا يعالجون في المستشفيات التي يديرونها ويشرفون عليها، كما أن الكهرباء لن تصعقهم، ولن يتعرض أحدهم لحادث تصادم لأن الطرق في الأغلب يتم إخلاؤها تماما لعبورهم بينما «الأوباش» في سجن «الإشارات» ينتظرون، والمؤكد كذلك أن القطارات الطائشة لا تعرف الطريق إلي قصور الحكم ومؤسسات القيادة ومجالس السلاطين، ومقاعد الموافقين والمصفقين، ومنازل السادة الأكابرالمستجيرين من الشعب بكتائب الأمن المركزي.
* لهذا علي ما يبدو هم مطمئنون، وفي مسيرة الفساد مستمرون، وفي طريق النهب سائرون، لا يردعهم رادع، ولا يعكر صفوهم هاجس إلا غضب «السيد»، وتعكُر مزاج السيد، وأحلام السيد، وأوامر السيد، والحقيقة أنهم ليسوا إلا أمواتًا تحكم وتتحكم، وسيدهم ما هو إلا ميت ابن ميت سليل أموات لو كانوا يعقلون..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق