الاثنين، 10 ديسمبر 2007

وثيقة لـ«ترشيد الفساد»

ربما يحيرك الجدل الدائر حالياً حول ما يسمي «مراجعات تنظيم الجهاد» أو تلك الأفكار -الجديدة القديمة- التي أعلن الشيخ سيد إمام، منظر هذا التنظيم التكفيري، إعادة طرحها وتبنيها، نافياً بها كل الأفكار المتشددة التي استند إليها الشخص نفسه في تقديم الفتاوي الشرعية لأتباعه لممارسة القتل والنهب والتكفير.
انقسم الناس حول «وثيقة ترشيد الجهاد» التي بادر بها إمام ما بين مؤيد، يري فيها نهاية نظرية وفكرية لمنهج العنف المسلح ــ بعد نهايته عملياً ــ وعلي النقيض من ذلك اعتبرها آخرون هدنة مؤقتة تعلنها هذه الجماعة في ثوب مراجعة بفعل الضغوط الأمنية، باعتبار جميع مروجيها من نزلاء السجون، وبفعل تغير الظروف السياسية والدولية والشعبية، بما لم يعد يسمح لمثل هذه الأفكار بالنمو والانتشار والتحول إلي قدرات تنظيمية وحركية قادرة علي المواجهة المسلحة من جديد.
وما بين هدنة مستترة ومبادرة أمل، سقطت أنت في حيرتك لا تعرف هل هي مجرد «بروباجندا» أمنية التوجيه والتنفيذ، أم هي وثيقة «تاريخية» بالفعل تضع نهاية فكرية للتطرف والتكفير بواسطة أهله.
المؤكد أنك لن تستطيع سبر النوايا إذا ما كنت من مؤيدي شكوك الهدنة المؤقتة، ومن القائلين بأن هذه المبادرة مجرد فعل من أفعال «التقية» تظهر خلاله عكس ما تبطن، تأثرا بلحظة ضعف، وانحناء لريح ضغوط أمنية وسياسية عصية علي المقاومة.
والأرجح أنك تخشي أن تفرط في التفاؤل وتنضم إلي قوافل المؤيدين لهذه المبادرة وكأنها «فتح الفتوح» وعقد الأمان الجديد للمجتمع، الذي تخلص أخيراً من تهديدات التكفير والعنف المسلح، رغم أن هذه التهديدات منتهية عملياً منذ سنوات وجميع أمراء الحرب المؤثرين، ما بين سجون مصر وكهوف وسط آسيا، وشاشات الفضائيات، وجنة اللجوء السياسي في أوروبا.
ولكن لماذا لا تترك النوايا لأصحابها، وتنظر لتلك الأوراق بتجرد وتتعامل معها كنص أدبي أو حلقة درامية من سيناريو طويل، بطله منظر متشدد أقام الدنيا ولم يقعدها، إلا بعد إراقة أنهار من الدماء، ثم عاد بعد سنوات طويلة من تشريع القتل، وتقديم الوعود الفقهية للقتلة بالثواب والأجر وجنات عدن، ليقول علي الملأ: «كنت مخطئاً» ثم يشرع في تقديم نقد فقهي وفكري لكل الأفكار التي تبناها في السابق، وكل الفتاوي التي أفتاها، وكل الممارسات التي استندت علي تلك الأفكار والفتاوي، وخلفت وراءها دماراً وقتلاً وتكفيراً.
وقتها ستستهويك فكرة «المراجعة» في حد ذاتها، وربما تشعر ــ كفرد ــ برغبة في تأمل ما مضي من حياتك، لتراجع بعضاً من تاريخك، وتمارس نقداً ذاتياً لقراراتك واختياراتك وأهدافك في الحياة، وربما تخرج من تلك المراجعات باعتراف صريح بالخطأ، أو بقرار حاسم باستبدال مسار حياتك، أو تعديل وتغيير بعض قناعاتك، أو تحملك تلك المراجعات قدراً من المسؤولية عن أضرار أصابت من حولك.
تخيل الآن أن تلك المراجعات صارت منهجاً عاماً، يمارسه الأفراد والمؤسسات، وأن نقد الذات صار عنواناً لمرحلة جديدة من تاريخنا وتوقع ما قد يعود عليك ــ كشخص أو مجتمع ــ من وراء هذه المراجعات التي يمكن أن تحدث في كل اتجاه ونشاط وتيار.
لو افترضنا أن جهازاً وطنياً مثل الشرطة قرر أن يجري مراجعات حقيقية لأدائه وسلوكه ــ وهم أدري بطبختها ــ كيف يمكن أن تساعده هذه المراجعات علي تحسين علاقته بالمواطنين ودعم مصداقيته في الشارع؟
وبالتوازي ماذا يمكن أن يتكشف للناس لو قامت المجموعة الاقتصادية في الحكومة بمراجعة سياساتها خاصة في مجال «الخصخصة من أجل الخصخصة» وماذا سيحدث لو قامت الحكومة بنقد موضوعي لمشروع مثل «توشكي» واعترفت بأنها باعت الوهم للمواطنين وبشرتهم بالسمن والعسل، وفاضت علي تلك المنطقة بنهر من الأموال قبل أن تفيض المياه دون عائد حقيقي حتي الآن.
وبما أنك تتخيل، أرجوك اطلق لخيالك العنان وافترض جدلاً أن أحد «أمراء» الحزب الوطني الحاكم ومنظريه، قرر أن يجري مراجعة شاملة لأداء ومنهج وسلوك الحزب منذ تأسيسه حتي الآن، هل تعتقد أن مراجعة موضوعية يمكن أن تحدث دون أن تتضمن اعترافاً واضحاً وصريحاً بما ارتكبه هذا الحزب من إفساد للحياة السياسية، وانتهاك لحقوق المواطنين واحتكار للسلطة والثروة والقرار، وإفساد للصحافة والبرلمان والقضاء، وإهدار وتبديد لثروات الوطن وتزوير لإرادة الجماهير، ورعاية للفساد ورموزه وإنتاج مناخ عام تسوده المحسوبية والرشوة والاحتكار والتمييز والاستبداد؟!
ربما يخرج علينا ذلك «الأمير المفترض» ليردد المقولة الرسمية التي تعتبر أن «الفساد أمر واقع وداء تعاني منه كل دول العالم، ومن الصعب القضاء عليه نهائياً»، وعندها يمكن أن نرد علي «سموه» بأننا لا نأمل أن تنتهي مراجعاته بمبادرة للقضاء علي فساد صار جزءاً من المرحلة وسمة أساسية لها، وإنما يكفي مؤقتاً «وثيقة لترشيد الفساد» تتبناها مراجعات تنظيم الحزب الوطني الحاكم، وليكن شعارها: «ليه تنهب أكتر.. لما ممكن تعيش ملك.. وتنهب أقل»!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق