الاثنين، 3 ديسمبر 2007

الاستقواء بالشعر

في كل مرة كان الشعر حاضراً خلف قراره، تعود أن يفر إليه كلما واجه أزمة في حياته المليئة بالعثرات، يكتبه بنفسه مترجماً واقعه، أو يستحضره لشعراء آخرين، يسقطه علي نفسه، وأحياناً يلوي عنق الكلمات ويغير اتجاهها لتبدو منسحبة علي حزنه أو فرحه أو عشقه أو غضبه.
خلف كل قرار مصيري في حياته تجد قصيدة شعر تأتيه بعد حيرة وكأنها الوحي الذي يفصل في قضيته بحكم واجب النفاذ، لافرق هنا إن كانت القصيدة بنت أفكاره أو كانت من مخزون قراءاته لكنها تأتيه دوماً في اللحظات الفارقة لتدير بوصلته إلي اتجاه يبدو قدرياً ووحيداً.
تعلمت منه الاستقواء بالشعر، وأدركت بسببه هذا الإحساس الخالد بالقوة والجبروت، رغم الوهن الظاهر والضعف الواضح، لكن الشحن الشعري الذي علمني استرجاعه عند الشدة كان من السحر ليهزم هذا الضعف ويعيد صياغة واقعه الهابط ويفتح في جدرانه ثغرات ينفذ منها ضوء كاشف يبدد كل الظلمات.
حين اتخذ قرار الهجرة كانت قصيدة «نشيد الخبب» - لحسن طلب - حاضرة خلف قراره، كان يردد منها: «إن البلد الآن يخرب/ ما عاد من الوادي غير فيافيه/ وحقول الدلتا تجدب/ لكن مازال الأجلاف علي الأكتاف/ يسوسون الشعب الجائع / (إن يسوس تساوي يسلب.. يحكم تعني ينتهب).
ورغم أن قصيدة «طلب» الرائعة خارج سياق كل مشاكله وأزماته إلا أنه كان يملك قدراً من الحكمة ليقول: «الشعر بوقعه عليك وليس بما يقصده الشاعر»، لكن قرار رحيله بقي قراراً مأزوماً لا يجد الحسم حتي عاد الشاعر يغزوه بالقول: «ما دمت عزمت/ فكل بعيد الشوط سيقرب/ إن أقدمت».
وتجده يعزز قراره ويحصنه من سياق النشيد ذاته: «أنا ما شاهدت هنا إلا السجن الواسع/ لا ينقصه غير النطغ مع السياف/ لا رادع يدفع عني الضيم اليوم.. ولا شافع».
المؤكد أن قراره بالرحيل لم يكن يستحق كل هذا الشحن الشعري، لأن مبررات الواقع أقوي في الأغلب، لكن ما يؤلمه في الوطن يؤلم غيره مئات غيره.. آلافاً.. ملايين، ماذا لو فكر كل منهم في هذا الواقع بتلك القسوة دون استقواء بالصبر؟ لا شيء سيبقي من هذا الوطن بالطبع سوي بعض المرتزقين من إحباط الناس والكيد لهم وحفر الأفخاخ.. وبعض الفسدة حول السلطان.. والسلطان.. ومتاريس كانت تستخدم في قطع الطرق علي قوافل تحمل أملاً ما.. ويعود إليه الوحي: «ما أسعد هذا الشعرور الخانع/ لاذ بخيمته في التيه/ وأيقن أني ــ لابد ــ سأخسر/ وهو سيكسب» تدفعه هذي الكلمات لتفكير مختلف: هل أرحل وأترك للفسدة وطني؟ هل نرحل ونترك هذا الوطن العاق بأبنائه يسقط كمسيح سلمه «يهوذا» للصلب؟!
يعود ليجد بين سطور الشاعر ما يدعم تراجعه: «ما أتعس من يبدأ أمراً لا يستوفيه/ بل يقنع بالأرباع وبالأنصاف/ ويرجع لا هاجم في الحرب.. ولا دافع»، ومن بين تلك السطور أيضاً شاهد حجم إنجازه الذي كان سيخلفه وراءه لو رحل مضحياً بنضال من صدق القول ووضوح الموقف فيقول مع الشاعر: «أولم ترني كيف طفقت.. أجد وأنصب/ كي أصنع هذا النص الناصع؟!» فوجئ بالقصيدة تلخص حياته في كلمات يراها ــ بعد لي عنقها طبعاً ــ معبرة عن تاريخه القصير في وطن لا يعطي إلا الغرباء أو الأنصاف، فيقول وكأنه يلخص هذا التاريخ: «لم أتفلسف/ لم أضف القول إلي القول ولم أحذف/ فتحريت الصدق ولكن لم أتحر النحو الشائع/ لم أعبأ بأوامره ونواهيه».
عندما يقرأ: «يا نكرات الشعر ويا معروفيه : كم أوغلتم في الإسفاف»، يعترف أنه مازال أمامه الكثير لقوله وفعله وإنجازه واستكماله، لم يسقط خيار الهجرة، قل إن شئت استبدل مسارها. ووجد بعض ملامحها بطريقته في «نشيد الخبب»: «لا لوم اليوم علي/ إن كنت هجرت معاقلكم/ وتركت فضاء السوق لكم/ بمقاهيه وجواريه».
والهجرة داخل الوطن لم تكن نهاية مطافه وقرارها كسابقه لم يصمد أمام وساوس نفسه، التي حدثته بأن شعارات تدعو لصمود يجلب أملاً هي أوهام وسرابات، أو هي للدقة حل العاجز يخدع نفسه بالآمال المنفتحة في أفق واسع، يستند إلي كلمات الشاعر في رفض حلول الوسط المائع: «ما أجرأ هذا الخبب الخادع!/ ما أطمعه/ أيظن سيخدع إياي/ يغريني بالإيقاع لأنسي الواقع/ هيهات أنا لست الإمعة الخاشع/ حاشاي فاخدع غيري يا خبب وأغر سواي».
ينتهي به الحال إلي السقوط بين إغراءين، كلاهما يستهويه الأول: أن يبقي في ميدانه يستكمل معركته حتي نهايتها و الثاني يعتبر خروجه نهاية لا تحمل اسماً آخر، ويطمئن نفسه: «إن النصر جنين خروج والأمل هناك علي شاطئ آخر»، لكنه يحتاج الشعر، يستقوي بأبياته ويفر إليه فيسقط في دوامة إغوائه وتظل غواية هذي الكلمات تحركه، ينتظر الوحي القاطع لا يأتي فيؤجل موقفه الحاسم.. منتظراً دعم الشعراء !!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق