الخميس، 24 يوليو 2008

حتي لا ننسي

* كانت «لقاء» في ذلك الوقت لا تملك من رصيد الأيام إلا سنة وشهرين، حين غادرت بها أمها «سحر» من ميناء ضبا في المملكة السعودية باتجاه سفاجا المصرية قبل عامين ونصف العام..
 سقطت سحر وابنتها في البحر، تشبثت الأم بقطعة خشبية بذراعها اليمني، بينما سيطرت باليسري علي رضيعتها وظلتا طافيتين بين الأمواج، تهادنهما حيناً وتصارعهما أحياناً أخري، لكن الصغيرة لفظت أنفاسها بعد أن جمدت مياه البحر الأحمر القاسية جسدها الصغير. وقتها رضيت الأم المكلومة بالقدر، وتمنت أقل الأحلام الممكنة أن تخرج بجثة رضيعتها لتدفنها، ربطتها بحبل ولفت الطرف الآخر من الحبل علي وسطها، وبعد ١٢ ساعة خرجت الأم من البحر، سحبت الحبل فإذا به يخرج فارغاً دون الجسد البريء!
* محمد حسن.. ذلك الطفل الذي لم يتجاوز السادسة، كان هناك قبل عامين، حين خرج الدخان الأسود وأعقبه تكسير للزجاج.. ثم سقوط الناس في البحر.. وكان من بينهم والداه، شاهد الطفل أباه وأمه يسقطان في البحر.. نظر إليهما وهما يغطسان بلا عودة، أوصاه أبوه بشقيقته «رحمة»، بعد أن ألقي بهما في البحر داخل طوق للنجاة.. قال له: «إنت راجل يا محمد خلي بالك من أختك»، لكن أخته ماتت هي الأخري قبل أن يظهر بر الأمان، وصار وحيداً بلا أسرة.
* علي شاطئ الأحزان افترشت «أم فراج» الرمال المبللة بدموعها تنتظر قادما من بين الموج يرد الحياة إلي قلبها الموجوع، سألت العساكر عن ابنها المفقود: «أريده حيا»، قالوا: «صعب».. اكتوت بنار الجرح ثم استكانت وقالت: «أريده إذن ميتا»، قالوا: «صعب أيضاً».. رفضت العجوز الثكلي الاستسلام، وجلست أمام الشاطئ تنتظر فراج.
* فتاة عشرينية تستقبل الحياة، وتنتظر ليلة العرس، وتعلم أن الأب في عرس الفتاة ظهر وسند، لهذا تمسكت «نوارة» يومها بالأمل، وظلت تنتظر أن يعيد إليها الموج أباها العائد بعد غياب يحمل معه جهاز عرسها، ويستعد لوضع يده في يد عريسها لإتمام الزواج. كانت «نوارة» تحتاج أباها ليعلمها كيف تبني بيتها، ولتعود إليه إذا الزوج أغضبها، لكن أباها لم يعد ولم تعرف أين استقرت رفاته، لم تري شاهد قبره لتضع عليه الزهور وتقرأ الفاتحة.
* مازال الدكتور محمد عبدالحليم يتذكر نجليه آلاء وعبدالرحمن وهما يلعبان «البلاي استيشن»، بينما أمهما تعد لهما طعام العشاء.. عبدالحليم، الطبيب الذي تغرب من أجل أبنائه الأربعة عقوداً، يعيش الآن وحيداً وحزيناً ومفجوعاً، تطارده ذكريات أبنائه الأربعة وزوجته، الذين فقدهم جميعاً منذ عامين بعد أن ابتلعهم البحر.
* فجرالأحد المقبل، وأمام مقبرة الشهداء بمدينة الغردقة، التي تضم رفات ٧٥ ضحية مجهولة الهوية، يقف الطفل محمد والطبيب محمد عبدالحليم والمكلومة سحر، والثكلي أم فراج، والموجوعة نوارة، ومعهم مئات آخرون يقرأون فاتحة واحدة أمام شواهد قبور بلا بيانات، لا أحد منهم يعرف قبر مَنْ يقرأ له الفاتحة، وهل هو في قاع البحر أم في مقبرة المجهولين الجماعية، وما بين مقبرة الشهداء وشاطئ البحر يوزعون الزهور والآيات البينات، وكل منهم يؤمن أن الله «العادل القوي المنتقم» يعلم موقع كل ضحية ومكان كل رفات ويوزع الآيات و«الفاتحات» علي أصحابها بالعدل، قبل أن يحتشدوا في نفس الصباح في مقر محكمة جنح الغردقة ينتظرون عدلاً، مهما تطرّف في قسوته، لن يجعل أياً منهم ينسي أو يغفر.
* تذكروا فراج والرضيعة لقاء وآلاء وأشقاءها وأبونوارة.. تذكروا اليتيم محمد حسن وأباه وأمه وشقيقته رحمة.. تذكروا ألفاً و٣٤مصرياً، كفَّنهم الموج، واقتات عليهم سمك البحر.. تذكروهم اليوم وغداً وكل يوم.. ولا تنسوهم أبدا هم ومن قتلوهم بدعائكم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق