بنيت لعبة كرة القدم على قاعدة تقول «إن الحكم سيد الملعب»، وطوال تاريخ اللعبة بقيت قرارات حكم الكرة نافذة ونهائية وغير قابلة للطعن، حتى لو كان خطؤها واضحا وظاهرا للجميع، لم يلغ الاتحاد الدولى لكرة القدم نتائج مباراة الأرجنتين وانجلترا، رغم اعتراف «مارادونا» نفسه بأنه سجل هدف الحسم بيده، ورغم رؤية الجماهير كلها للمباراة وقبضة الساحر القصير تحول الكرة إلى الشباك، ورغم ما استقر من أوضاع بعد هذا الهدف أدت إلى فوز الأرجنتين بكأس العالم، إلا أن كل العالم كان يقول شيئا، و«سعيد بلقوله» حكم المباراة وحده قال شيئا وبقى نافذا.
وفى مصر كما العالم استقرت بنية اللعبة على حجية حكم المباراة ونفاذ قراراته، ألغى «محمد حسام الدين» هدفا وضعه «حسن شحاتة» فى مرمى «إكرامى» موسم 81 كان احتسابه كفيلا بفوز الزمالك بالدورى، ومازال الجدل التاريخى مستمرا حوله هل هو تسلل أم لا.
لكن لم تفسد الملاعب ويتصاعد الشغب إلا بعد إسقاط هيبة الحكام، توجيه الاتهامات لهم والتعليق على قراراتهم، حتى جاء وقت فقدت فيه الفرق المصرية تماما أى ثقة فى الحكام المحليين، وظهرت موضة استقدام حكام أجانب للمباريات المهمة والمصيرية، ورغم ذلك يندر فى أى موقف خلافى أن تجد فريقا مهزوما يخرج متقبلا هزيمته بشجاعة دون أن يعلقها على شماعة الحكم ودون أن يكيل له الاتهامات من كل صوب وحدب بدءا من الانحياز الكروى، وحتى الفساد والرشوة.
وفى المجتمعات الحديثة كما كرة القدم، بنيت على قاعدة سيادة القانون، وأن الحُكم سواء جاء منصفا لك أو ظالما بشكل بين وظاهر، هو فى النهاية «عنوان الحقيقة» بالمعنى القانونى، من حقك الاعتراض عليه فى درجات التقاضى، ومن حق القانونيين التعليق عليه وتفنيده، لكنه طالما جاء حكما باتا ونافذا ونهائيا فقد صار احترامه واجبا وليس اختيارا، واحترامه يعنى تنفيذه ولا شىء آخر.
لكن قضاءنا أصابه ما أصاب حكام كرة القدم من تشويه وفساد، بعضه ادعاء وبعضه حقيقة ثابتة وراسخة، حتى فى اعترافات القضاة أنفسهم، ويكفى أن تذكر قول القاضى الجليل حسام الغريانى وهو يطالب القضاة بالبدء فى إصلاح وتطهير أنفسهم.
يحتاج القضاء إذن لتطهير وإصلاح وإعادة هيكلة، ويحتاج بكل مؤسساته ومحاكمه إلى تنقيته من شبهات التدخل الرسمى والحكومى عبر قانون جديد للسلطة القضائية يعزز استقلال القضاء بحق، لكن حتى يحدث كل ذلك، هل نفعل مثلما فعلوا فى كرة القدم فنستقدم قضاة أجانب، لحسم القضايا المصيرية، أم نعطل العمل فى مرفق العدالة كله حتى تنتهى عملية إصلاحه وتطهيره وإعادة هيكلته، ونستبدله بلجان شعبية تحكم بين الناس؟ أم نقبل بأحكامه كما قبل الإنجليز بحكم «سعيد بلقوله»، لأن خسارة مباراة لا تساوى أبدا هدم الأساس القانونى للعبة كلها الذى يحفظ استقرارها وديمومتها وبقاءها رغم التنازع والتعصبات والاستقطابات.
يقسم رأس الدولة على احترام سيادة القانون.. والقضاء هو صاحب الكلمة الأخيرة فيما يخص القانون.. وقبول أحكامه نقرة.. وإصلاحه المرفق ذاته نقرة أخرى.. وأى قاضٍ مهما كان مخطئا ومتجاوزا فى نظرك، حكمه نافذ وواجب الاحترام طالما مازال يجلس على المنصة.. وما دون ذلك هو الفوضى والظلم كله.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق