الثلاثاء، 8 يناير 2013

بين الدين والسياسة


لولا الخلافة ما ظهرت خوارج ولا شيعة. 

عندما تقرأ كتاب المفكر الكبير أحمد أمين «يوم الإسلام» لا تخرج سوى بهذه النتيجة، أحيانا تحتاج إلى قدر واسع من التدبر والتأمل فيما مضى، ليس لتسوق الحجج لمواقفك، أو تستنبط الشواهد لرؤاك، لكن لتبحث عن حلول محددة لأزمات تعصف بك بين اتجاهات شتى بعضها متناقض وجميعها للغرابة يعتقد أنه يحتكر الحق واليقين.

الخلافة المقصودة ليست فى حد ذاتها نظام الحكم الذى اختاره المسلمون وليس الإسلام، الفارق كبير بين اجتهاد المسلمين، وأحكام الإسلام كما تعرف، لكن المقصود بها السياسة والصراع على الحكم.

ترك الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الأمة بعد أن اكتمل الدين، دون أن يضع نظاما محددا لحكم الدولة التى كان يجمع فيها استثنائيا سلطة الحكم وسلطة الدين معا، ترك ذلك لاجتهادات صحابته من بعده، وتباينت هذه الاجتهادات فى كل اختيار مع الخلفاء الأربعة قبل أن تصبح الخلافة ملكا يورث.

لكن صراعا على الخلافة نشب بعد الشيخين بشكل معلن، ورغم أنه صراع سياسى بين وجهات نظر متباينة ومتفاوتة على الدولة، فإن كل فريق لجأ إلى الدين ليدعم حقه، تم استدعاء أحاديث تبدو متعارضة أو تأويلات تبدو متناقضة كل يفهم من الدين ما يدعم حضوره السياسى وطموحه فى الدولة وليس الدين.

لم يكن فى صدر الإسلام علمانيين من أولئك الذين يدعون بتطرف لفصل الدين عن الدولة قطعا، لكن كان هناك حاجة للتمييز بين الدينى والسياسى، حماية للدين ولقدسيته قبل أى شىء، وضمانا لعدم اتخاذه وسيلة وذريعة لتحقيق مكاسب سياسية.

لكن ذلك لم يحدث، وانقسم المسلمون بين سنة وشيعة وخوارج، وكل منهم يرفع شعار: «إن الحكم إلا لله»، حتى وصل الأمر بتكفير من لا يمكن تكفيره، ولعن من لا يقبل الله لعنه، وسط نهر دم فاض طوال هذه السنوات بدماء صحابة أطهار.

ما الذى جعل صحابيا يقف فى وجه رفيق نضاله السابق من أجل الإسلام يواجهان بعضهما بالسيف وكل منهما يحتكم للدين ذاته، هل خلاف على الدين أم الدولة؟

الحقيقة أنه خلاف على الدولة استخدم فيه كل طرف ما رآه من حجج دينية وتأويلات تنتصر له على خصمه، فصار لكل حزب فقه ولكل تأويل مذهبا ولكل مذهب طقوس، ولكل طقوس أتباع، ولكل أتباع ذرية وانتهى الأمر إلى أن استقر كل منهم بما ورثه مخلوطا بالسياسة من إطار دينى.

واليوم لولا صراع سياسى على الدولة ما اهتم البعض بالتفتيش فى إيمان البعض الآخر وتكفيرهم، وما ادعى آخرون أن الصناديق الانتخابية تذهب بك إلى الجنة أو النار، ولا قال آخر إن الإثم يحوطك فى معارضة سياسية والحسنات تغمرك فى معسكر التأييد، ولا استخدمت مساجد فى التحزب والترويج للتحزب.

لا يمكن نفى الدين فى مجتمعات مشغولة به بإيمان كما يحاول معسكر، ولا يمكن إقحامه فى صراع سياسى واستدعاؤه والتجارة به والحشد لنصره دون تهديد كما يحاول معسكر آخر، لكن يمكن التمييز بين الدينى والسياسى كما هو جوهر الدين وأصله، دون تحزيب الفتاوى والآيات ومنابر المساجد، وإلا فإن فتنة قسمت المسلمين بين سنة وشيعة، ستقسم المصريين بين أديان وعقائد ومذاهب شتى.. فانتبهوا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق