الجمعة، 12 أغسطس 2011

شهادة بدراوى

عندما تطالع شهادة الدكتور حسام بدراوى، آخر أمين عام للحزب الوطنى فى عهد مبارك، لابد أن تستوقفك ملاحظات متعددة، أهمها أنها تؤكد لديك بيقين حجم الحالة التى كان عليها الرئيس السابق ومدى قدرة المحيطين به على عزله عن سياق الأحداث وطبيعتها وحقيقتها، حتى فى أحلك فترات حكمه وأكثرها صعوبة.

هذه الثورة إذن قامت فى التوقيت الصائب جدا، وفى اللحظة التى كاد «حزب القصر» يعلن نفسه حزبا حاكما بعد أن استمر لسنوات يحكم فى الظل، ويهدم فى تاريخ الرجل الكبير، ويدفع بها نحو نهاية مأساوية تدخل به التاريخ من صفحاته السوداء. 

سلم مبارك عقله وإرادته وقراره لمجموعة نجله، التى كانت تحاول إدارة الأزمة، وعينها على المستقبل، وحرصها الأشد على مشروع للتوريث لا تريد أن تفقده وتتمسك به حتى الرمق الأخير، ومن هنا كان تضارب المصالح واضحا، فمبارك الذى كان يبحث عن مخرج آمن وخروج مشرف وكريم، حرمه نجله الطامح لاستكمال مشروعه من هذا الأمل الإنسانى، تعاملا معا كرفيقى سياسة وليس كأسرة، تباعدت الأهداف، وواصل مبارك خضوعه فى اللحظة التى كان لابد أن يفيق فيها، ويسارع بإنقاذ اسمه والاعتذار عن خطايا سنوات سمح فيها لابنه أن يفسد كل شىء. 

يومان فقط كان بدراوى مترددا فيهما على القصر، كفيلان ليثبتا لك بوضوح أن الثورة قامت على طريقة «الأفلام الأبيض وأسود» فى اللحظة التى يستعد فيها الشرير لعقد قرانه على الجميلة المكرهة، وتجهيز الفرح، فإذا بالبطل القادم من ميدان التحرير يتحرك ويخطف دفتر المأذون ويهدم الحفل، ويستعيد جميلته من غاصبيها، فحسب شهادة بدراوى المنشورة فى أسبوعية الفجر كان مبارك يقبل النصيحة حين يصارحه بحقيقة الموقف، يندهش حين يخبره أنه فى الطريق لمصير «شاوشيسكو» كدليل واضح على أن أحدا لم يقل له كلمة صدق، يقبل بكل مطالب الجماهير، وبمجرد أن يخلو لمجموعة القصر يتراجع عن كل شىء، فيزيد دون أن يدرى الطوق حول رقبته. 

هذه الشهادة تدين مبارك أكثر مما تعتقد أنها تدافع عنه وتظهره كما يحب أنصاره أن يظهروه، وكأنه الملاك بين الشياطين، والرجل الطيب بين مجموعة أشرار، والنظيف الذى لا عيب فيه سوى من حوله، يكفى أنه كان مستعدا لاستخدام الحرس الجمهورى فى قتل المتظاهرين الذين زحفوا إلى القصر، ويكفى أن الأمانة سلمها للسفهاء والأغبياء والتافهين، فصارت إرادته موزعة داخليا على نجله وزوجته، وخارجيا على واشنطن وتل أبيب، أفلا يستحق إذن هذا الخروج وذاك القفص؟!

لكن إذا كانت هذه شهادة تكشف كواليس أيام مبارك الأخيرة، فهى فى الوقت نفسه، تعيد قدرا من الاعتبار لتيار داخل الحزب الوطنى «المنحل» لم يتورط فى الخطايا الكبرى، وامتلك خطابا سياسيا عاقلا ومؤمنا بالديمقراطية، واختار فى لحظة أن يعمل على الإصلاح من الداخل واجتهد فأصاب وأخطأ، وكان جزءا من تراكم التغيير فى النهاية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق