الثلاثاء، 9 أغسطس 2011

تحدثوا عن أنفسكم قليلا

المنطقى أن تتكلم حتى أعرفك، لكن فى الواقع السياسى المصرى ينقلب الحال، فتبدو ساعيا لتقديم نفسك بالهجوم على خصمك، أو بالتركيز على عيوب طرف آخر، لا تقول إن لديك حسنات كذا وكذا، لكن تكتفى بالقول إن الآخر سيئاته كذا وكذا، وكأنك تعرف نفسك باعتبارك عكس الآخر وكفى دون جهد حتى فى إبراز مواطن الخلاف.

ربما كان ذلك من أكبر وأفدح أخطاء القوى «الليبرالية» التى تبنت منذ بداية المرحلة الانتقالية خطابا مفعما بالنقد للقوى السياسية الإسلامية، وسط تركيز شديد على أداء هذه القوى وتصريحاتها وخطاباتها وتحركاتها، والرد على كل كلمة وكل تحرك وكل موقف. 

استغرقت القوى الليبرالية فى الهجوم على الإسلاميين، ووضعت نفسها طوال الوقت فى خانة رد الفعل، وصار أكثر من 90% من مضمون خطاباتها نقدا مباشرا للمشروع الإسلامى السياسى بفروعه المتعددة يمينا ووسطا ويسارا، لكنها أهملت تماما الحديث عن نفسها، حاولت أن تقدم نفسها طوال الوقت بأنها «عكس الإسلام السياسى» وهو تقديم قاصر تماما، يجعلها تفقد كثيرا خاصة فى أوساط لديها صورة نمطية مباشرة بأن التيارات الإسلامية على الأقل هى التى تحمى بقاء المادة الثانية من الدستور وتقاوم نزعة المجتمع نحو مزيد من الانحلال على حد هذا الفهم الساذج سياسيا. 

كنت أتمنى أن تركز القوى الليبرالية قليلا فى الحديث عن نفسها، أن تتبنى خطابات بنائية، ومبادرات واضحة، وأن تترك السجال النخبوى، وتنزل للشارع، أولا لتطرح نفسها بعيدا عن فخ «التضاد مع الإسلاميين» عبر تقديم رؤى متكاملة فى إطار من إرادة الفعل والحركة، والثانى لمواجهة أى تشويه متطرف قد يضع هذه القوى فى قوالب نمطية تميل نحو «الكفر والانحلال والفسوق». 

جزء من حالة الزخم والزهو التى تسيطر على المشروع الإسلامى السياسى، أنه متواجد فى الشارع من ناحية، ويخاطب الجماهير بلغة يفهمونها تصل فى بعض الأحيان تطرفا إلى مغازلة عواطفهم الدينية ودغدغة مشاعرهم، إلى جانب امتلاكه إرادة الفعل والمبادرة والحركة والهجوم، فى إطارات متوازية لا يطغى بعضها على بعض، وهذا ما يعكس ما يتم تصديره من «إيحاء» لم يختبر بعد فى صندوق اقتراع، بقدرة أصحاب هذا المشروع على اكتساح الأغلبية البرلمانية.

تحدثوا عن أنفسكم قليلا أيها الليبراليون، خاطبوا الشارع وليس برامج التوك شو، بادروا بالحركة، ولا تقصروا نشاطكم فقط على تتبع خطوات الإسلاميين والرد عليها.. لا تكونوا كالذى لا يعمل ويشقيه أن يعمل الآخرون..!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق