سأصمت.. أخشى أن أكتب كلمة تغضب الرئيس فيصدر قرارًا بقطع يدي حتى لا أعاود الكتابة، ووقتها لن أستطيع أن أشكوه، ولن أجد محكمة تقبل دعواي ولا نيابة تتلقى بلاغي.
سأصمت.. أخشى أن أظهر في محطة تلفزيونية فأتفوه بكلمة تزعج الرئيس فيغلقها، ووقتها لن يستطيع ملاكها ولا العاملون فيها أن يلجؤوا لمحكمة للفصل في القضية.
سأصمت.. أخشى أن أُغضب زوجتي يومًا فتشكوني للرئيس فيصدر قرارًا بالتفريق بيننا. من حقه قانونًا الآن أن يطلقنا، ووقتها لن أستطيع أن أطعن على قراره أو أجد قاضيًا ينصفني.
سأصمت.. أخشى أن أتشاجر مع جاري «الإخواني» فيشكونى لمسؤول شعبته، الذي سيرفع شكواه لمسؤول المكتب الإداري فمكتب الإرشاد؛ فيصدر الرئيس قرارًا بطردي من منزلي ومصادرته لصالح جاري المؤمن، ولا أجد محكمة تسمعني أو قانونًا يسعفني.
سأصمت.. أخشى أن أهتف في الشارع معلنًا رأيي، فتلقي شرطة التدابير الخاصة القبض عليَّ، ويصدر الرئيس حكمًا بإعدامي من أجل حماية مكتسبات الثورة، ووقتها لن أجد استئنافًا ولا نقضًا ولا درجة واحدة في سلم التقاضي، تسمح لي بصعودها.
سأصمت.. أخشى أن أكتب من جديد عن الدولة الديمقراطية واستقلال السلطات الثلاث؛ فيعتقد الرئيس أني معترض على جمعه السلطات الثلاث في يديه، فيعتبر رأيي محاولة لقلب نظام الحكم، فيصدر قرارًا بإبعادي إلى حلايب، ووقتها لن أستطيع أن أشكوه لأية جهة.
سأصمت.. أخشى إن كتبت ووقعت ما أكتبه، أن يصدر الرئيس قرارًا بتغيير اسمي، وتعديل اسم أبي، وإسقاط اسم أمي من شهادة ميلادي، ووقتها لن أستطيع أن أعترض، ولن أجد ملاذًا من الرئيس إلا إليه.
سأصمت.. أخشى أن أظهر حزنًا على الجمهورية التي تحولت إلى قبيلة، فيسألني الرئيس: «وانت مالك؟» فأقول له: "أنا مواطن مصري،" فيصدر قرارًا بإسقاط الجنسية عني، ووقتها لن أستطيع أن أحتج بمبادئ دستورية أو بحقوق إنسانية أو بجهات قضائية.
سأصمت.. أخشى أن أقف في مسجد خاشعًا، أدعو الله ألا يجعلنا من الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، فيسمع مناجاتي إمام المسجد، فيوشي بي لدى الرئيس، فيصدر قرارًا بمنعي من دخول المساجد، وتعديل ديانتي في البطاقة الشخصية، بما يجعل المساجد محرمة على أمثالي ممن صاروا بقرار جمهوري "غير مسلمين"، ووقتها لن أستطيع أن أقاضيه أو أقف أمام قاضٍ لأهتف بالشهادتين، فما يقرره الرئيس فقط هو الحقيقة وهو القانون!!
سأصمت.. أخشى أن أموت وأنا أتكلم؛ فيغضب الرئيس من حديثى، فيصدر قرارًا بمنع الاعتراف بموتي، فلا تستطيع زوجتي الحصول على شهادة وفاة، ولا يستطيع أطفالي القصر نيل ميراثهم القليل، ومعاشهم الهزيل، فإذا قال الرئيس إني لم أمت فأنا لم أمت؛ هكذا يقول القانون، وهكذا يقول الإعلان الدستوري، والدولة القبيلة لا تعترف إلا بالرئيس.
سأصمت.. لأن الرئيس صار هو السلطة التنفيذية، بيده قرار الوزراء والقوات والجيوش، وصار السلطة التشريعية؛ بيده القوانين التي تجرم وتخون وتحيي وتميت، وصار السلطة القضائية، قراراته «وحي يُوحى» معصومة من النقد والطعن، وصارت أحكام القضاء التي على غير هواه «هي والعدم سواء».
سأصمت.. لأنني بشر والحاكم بأمر الله يمكن أن يصدر قرارات بمنعي من دخول الحمام فأموت «محصورًا»، أو منعي من تناول الطعام فأموت جائعًا، أو منعي استنشاق الهواء فأموت مختنقًا، أو حرماني من ضوء الشمس فأموت في الظل بلا ثمن.. الرئيس أراد ذلك ولا توجد محكمة من حقها أن تحاكم إرادة رئيس قال للعالم: «أنا الدولة والدولة أنا.. أنا القانون والقانون أنا.. أنا مصدر السلطات الوحيد.. أنا فوق القانون والدستور والمحاسبة والقضاء»..
أهلاً بكم في دولة الرئيس «الديكتاتور» الذي "لولاه ما تساقط المطر.. ولا تبلور الندى.. ولا تنفس الشجر.. ولا تدفأت عصافير الشتاء"؛ فاصمتوا حتى يرضى عنكم الرئيس ويسمح لكم بالحياة، وإلا فماكينة القرارات جاهزة دون طعن أو محاسبة.
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق