الاثنين، 8 يونيو 2009

لا تنتظروا أوباما المصرى


     ٨/ ٦/ ٢٠٠٩
أنت منبهر بما جرى تحت قبة جامعة القاهرة، منبهر برشاقة الرجل وحضور ذهنه، منبهر بخطابه وتسامحه وتصالحه، بلغته ووضوحه واتزانه، بقصته وتاريخه وصعوده، أنت منبهر بكل شىء.. وهذا حقك، لكنك إذا عدت إلى عدة أشهر ماضية، ستجد أن الانبهار الحقيقى يجب ألا يكون بـ«أوباما» بقدر ما يجب أن يكون بـ«كفاءة» الشعب الأمريكى ونخبته، الذين دفعوا أوباما إلى صدارة المشهد فى توقيت حاسم، ولحظة فارقة.

عاشت الولايات المتحدة ٨ سنوات لن تنساها فى تاريخها مع الإدارة السابقة، التى هبطت بسمعة الولايات المتحدة إلى أدنى مراحلها، وهبطت بشعبيتها إلى آخر مستوياتها، وزادت من كراهية الأمريكيين فى العالم كله، وتجاوزت كل الخطوط الأخلاقية التى بنت عليها الولايات المتحدة سمعتها فى العالم وفى أذهان الشعوب، كمجتمع للحرية والمساواة واحترام حقوق الإنسان، فتحولت إلى إدارة حرب فى الخارج، ونظام بوليسى فى الداخل، وأفرطت فى تصنيف الأعداء، وزيادة قوائمهم.. وفى النهاية دخلت بالمجتمع فى حائط صلب، اسمه «الأزمة المالية».

فى تلك اللحظة الفارقة.. كان أمام الولايات المتحدة كشعب «خياران»، إما مواصلة الانحدار، أو محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولم تكن الرغبة فى التغيير قراراً لأوباما أو غيره، لكنه كان اختيار مجتمع حى تقوده نخبة عالية الكفاءة، أدركت طبيعة المحنة الأخلاقية التى سقطت فيها البلاد، والمطلوب بالتحديد لعبورها.

لم يكن أوباما على الإطلاق أهم أسود فى تاريخ الولايات المتحدة ولا أكثرهم موهبة.. لكنه كان الاختيار المناسب فى هذه اللحظة بالتحديد لاستعادة كل ما فقدته الولايات المتحدة، وهو اختيار ينم عن ذكاء وحيوية النخبة التى دفعت به، وينم عن تفهم المجتمع الذى منحه تأييده فى صناديق الاقتراع.

مهدت سياسات جورج بوش لأوباما طريقه للبيت الأبيض.. ووضعته الاختيار الوحيد أمام تلك النخبة التى لا تشغلها عن المصالح الحقيقية للبلاد أى أهواء، فهو أسود.. والولايات المتحدة تواجه اتهامات بالتمييز، ومن أصول إسلامية.. والولايات المتحدة تواجه اتهامات بالعداء للإسلام والمسلمين، وأستاذ قانون.. وانتهاكات حقوق الإنسان تلطخ سمعة وثوب البلاد، وفى النهاية قصة كفاح ونجاح تجسد الحلم الأمريكى بكل عناصره، وتعيد الاعتبار لهذا الحلم القائم على مجتمع الفرص العادلة والمتكافئة ودعم المبادرات الشخصية.

أنت أمام حالة انبهار فى جميع الأحوال.. ولا يمكن أن تغفل مواهب الرجل وقدراته على الأداء، بما عزز اختياره المصيرى لهذه المهمة، لكن ما يستحق القدر الأكبر من هذا الانبهار، هو ذلك المجتمع الكفء والحيوى، وتلك النخبة التى تملك بوصلة حقيقية لوضع بلادها، فتقودها فى الاتجاه الصحيح، والنتيجة واضحة وظاهرة، حيث ربح رهانهم على أوباما، واستعادت الولايات المتحدة فى عدة أشهر ما فقدته من سمعتها ووضعها الأخلاقى فى ٨ سنوات.

أنت أيضاً، إلى جانب انبهارك، تحلم حلماً، المؤكد أنه مشروع، بأن يأتى أوباما المصرى ليمد يده للجميع بتصالح ملائكى، ويعيد استكشاف مكامن القوة الناعمة بحيويته.. وأنا أفترض معك أن هذا الأوباما موجود لأن مصر ولّادة كما تعرف.. لكن هل نمتلك نخبة قادرة على الدفع به لأداء الدور المصيرى المطلوب منه والذى تأخر كثيراً، هل نملك الوعى الذى يجعل صناديق الاقتراع تنحاز للحلم، هل نملك هذا المجتمع الكفء والحيوى الذى يعرف ماذا يريد وكيف يتصرف فى اللحظات الحاسمة ليعيد الأمور إلى نصابها برشد؟!

لدينا أوباميون كثيرون خارج دائرة الضوء، لكننا نفتقد التربة الخصبة.. وحتى نستصلح تربتنا ونمهدها ونغير ما بأنفسنا .. لا تنتظروا أوباما المصرى.. على الأقل فى المدى القريب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق