يلومك البعض حين تقترب من قضايا مثل «إطلاق ضباط الشرطة للحاهم»، يقولون إن الإعلام لديه إصرار على شغل الناس بتوافه الأمور، وهو الذى يسلط الأضواء على وقائع أقل أهمية بكثير من التحديات التى تشغل مصر، لكن هؤلاء فى الأصل لا يلومون نوابا محترمين فى مجلس الشعب لأنهم يتركون التحديات التى تواجهها مصر ويقدمون طلبات الإحاطة والاستجوابات لوزير الداخلية لمعارضته إطلاق الضباط للحاهم، النواب الذين يهدرون وقت المجلس والجلسات التى يدفع ثمنها دافع الضرائب للمطالبة بحجب المواقع، أو مناقشة تكفير كاتب «سعودى» وكأن لديهم «فائض من التكفير» للتصدير.
وإذا حدثتك اليوم عن النائب الذى طالب بمنع تدريس اللغة الإنجليزية، باعتبار أن ذلك مخطط خارجى لتعليم أبنائنا لغات «الكفرة»، ربما تلومنى غدا وتتهمنى بالاصطياد وكأنى أختلق الواقعة، أو تتهم الإعلام كله بالتركيز على المسائل التافهة، أيضا دون أن تلوم النائب باعتباره هو الذى يعيش فى التفاهة إلى أقصى مدى.
من الذى يصرف المجتمع عن قضاياه الحقيقية؟ الإعلام أم النواب والسياسيون ورجال الدولة؟ الأخبار لا تصنعها وسائل الإعلام، لكنها تحدث هناك فى دوائر الحكم والتفاعل، وعندما تحدث يقينا ليس من حقك أن تلوم ناقلها أو المعلق عليها، أو المدقق فيها حتى لو حاول تفسيرها بمنطق مغاير أو وضعها على ميزات تحليل غير منظور.
البعض يقول لك إن الصحف تشغل المجتمع بنائب يعتبر اللغة الإنجليزية مؤامرة ويطالب بمنع تدريسها، وكأن رأى النائب هو رأى عام وليس فرديا، لكن الحقيقة إن رأى النائب ليس رأيا فرديا، فهو عضو منتخب من الشارع، ولديه مؤيدون، كما أنه عضو فى حزب والمفترض أن كثيرا من ثقافته ورؤاه ومواقفه متسقة على الأقل مع منهج الحزب، الصحف إذن لن تشغل الرأى العام بالتوافه إذا لم يفعل النواب، لكن ليس من حق أحد أن يلوم صحيفة ركزت على هذه الواقعة طالما أنها حدثت، ولا بحثت خلفها فاتهمت النائب بأنه ينال من كل مدرسى اللغة الإنجليزية ويتهمهم فى وطنيتهم، لأن هذا هو مستوى تفكير نواب فى البرلمان.
عندما يكون لديك كل يوم واقعة، تعكس طريقة تفكير نائب، أو أنماط انحيازاته، أو ترتيب أولوياته، فأنت فى النهاية تستطيع بعد وقت أن تحكم على عدد كبير من النواب، وأن تحدد مدى ثقتك فى مجلس الشعب.
حتى الآن على سبيل المثال لم يطرح البرلمان حوارا حول سياسات التعليم، أو سياسات الصحة، حتى يتحدث عنها الإعلام ويشارك فى هذا الحوار ويعكسه ويسلط الأضواء عليه، وبعض الآراء داخله لا تتسم إلا بالسذاجة والغشم السياسى مع التأكيد على حسن النية، وهو أمر يوجب على رئيس المجلس أن يجهز برنامجا تدريبيا شاملا للنواب سواء فى إعداد البيانات، وقراءة الموازنة أو مخاطبة الإعلام أو حتى دورات فى التفكير والتخطيط وإدارة الوقت ليس هناك عيب فى ذلك لكن العيب أن تكتشف كل يوم أن برلمانك لم يفعل إلا قليلا من الأفعال الجادة وكثيرا من التفاهات والسخافات، أوقفوا التفاهة من المنبع إذن ولا تلوموا الإعلام..!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق