الجمعة، 24 مارس 2006

بـ «العربي الجريح» محمود عوض يواصل مقاومة القهر بالكتابة

يمثل محمود عوض الترجمة الحرفية لكلمة الكاتب الصحفي الكبير بكل ما تحمل هذه الكلمات الثلاث من معان، ويبدو أمامك نموذجاً مثالياً للصحفي الذي يعمل عند موهبته فقط، يتسلح بها، ويسلحها باستمرار بثقافة واسعة ومتنوعة وعميقة، تجعل منه كاتبا موسوعيا، إذا كتب عن بيان الحكومة اقتنعت أنه مراقب قدير وإذا كتب عن الصراع السياسي، تأكدت من كونه محللاً من الطراز الأول،
 وإذا كتب عن الفن والفنانين تشعر، وكأنك معه، تصدقه وتتيقن من احترامه لك وصدقه معك وتقديره لك. ولأنه نشأ في وقت كان متاحا فقط للمواهب الحقيقية، وفي عصر اتفقنا معه أو اختلفنا، كان يضيف لأي موهبة فقد صعد نجمه دون حساسيات مريضة من صغر سنه، ودون تبريرات واهية حول قلة خبرته، في ذلك العصر كان رؤساء تحرير الصحف في العشرينيات والثلاثينيات، مثل أحمد بهاء الدين وكامل زهيري ومحمد حسنين هيكل،
وكان النجوم الذين غيروا شكل الفن وطريقه علي مثال عبدالحليم حافظ وكمال الطويل ومحمد الموجي وبليغ حمدي وصلاح چاهين، في هذا الجيل المتفجر بالموهبة، والذي امتد تأثيره إلي الأدب والمسرح، وحتي رجال الدولة الجدد، حيث كان عزيز صدقي ٢٩ عاماً، وهو يؤسس أول وزارة للصناعة بنت ١٠٠% من قدرات مصر الاقتصادية والصناعية التي امتد أثرها وفائدتها حتي الآن. وسط هذا الجيل صعد غير مدعوم من أحد إلا من موهبته، وبين كل هذه القامات والمقامات كان نجما لمؤسسة عريقة هي أخبار اليوم.
 وإذا كان محمود عوض قد اختار بعد ذلك، حيث تبدلت الأحوال، وتعرض استقلاله المهني للخطر، فقد فعل ذلك احتراما لموهبته التي تدثر بها وانطلق بها إلي آفاق أرحب جعلته الكاتب العربي الأكثر انتشارا حسب أرقام توزيع كتبه، ومقالاته التي تتهافت عليها الصحف العربية في الشرق والغرب.

أدرك الرجل منذ البداية أن قلمه وموهبته وصدقه واحترامه لقرائه، هي أسلحته ضد أي محاولة للاغتيال المعنوي والحصار، وكان كل هؤلاء عند حسن الظن، ورغم ابتعاده عن العمل المؤسسي منذ سنوات كثيرة، فإنه تحول بنفسه إلي مؤسسة مستقلة، ذات كيان حقيقي يلمسه أي قارئ متابع ومطلع، وأي باحث بين أرفف المكتبات العربية. كتابه الأخير وليس الخاتم، بـ «العربي الجريح» الصادر عن مؤسسة دار المعارف مؤخراً، والذي جمع فيه مقالاته في مجلة الشباب علي مدار خمس سنوات متصلة يمارس فيه محمود عوض هوايته في إدهاشك وإمتاعك بفيض هائل من المعلومات المتنوعة التي تفتح أمامك آفاقاً أرحب، وينطلق بك من الحب إلي الحرب، ويمزج التاريخ بالجغرافيا، ويجول بين الحدائق والحواجز في كل العالم، وبين الشخوص والنجوم في لقطات تبدو أمامك كفيلم تسجيلي كبير تشاهد فيه عبدالحليم وعبدالوهاب وديانا وأنتوني كوين وتشرشل وصباح فخري ومحمد علي فهمي، بتفاعل مميز ممتزج برشاقة في الكتابة، وعمق في المعاني وبساطة في الكلمات، ودقة في العبارات. «المصري اليوم» تعرض للقليل من كل هذا تقديراً لرجل في حجم مدرسة اسمها محمود عوض.


رجال «اليوم السابع».. لا نفرق بين أحد منهم!
 
تسميها الآلة الدعائية الإسرائيلية «حرب الأيام الستة»، بينما يسميها محللون عسكريون وسياسيون في مصر، أبرزهم مرسي عطا الله رئيس تحرير الأهرام المسائي «حرب السنوات الست»، معتبراً أن ما حدث في ٥ يونيو ١٩٦٧، كان بداية لمعركة احدة انتهت في ٦ أكتوبر ١٩٧٣م، إلا أن محمود عوض بحس إنساني يعتبرها «حرب الأيام السبعة» معتبرا معركة أكتوبر ١٩٧٣، معركة اليوم السابع، والجيش الذي خاض المعركة، وجلب الانتصار جيش اليوم السابع، ورجاله رجال اليوم السابع، ويستند محمود عوض إلي أن كل الأيام، وإن كانت تساوي ٢٤ ساعة، إلا أن حياة الشعوب تصبح فيها بعض الأيام أطول أو أقصر من الأيام الأخري، والفترة من اليوم التالي لهزيمة ٦٧، وحتي اليوم الأخير من حرب أكتوبر هي بذاتها يوم واحد متصل.. إنه اليوم السابع. يسترسل محمود عوض في أكثر من موضع في الحديث عن اليوم السابع جيشه ورجاله ومناخه، عن قناعة بأن أكثر من كتاب لا يمكن أن يعطي هذه اللحظات الفارقة في التاريخ حقها.


ويملك محمود عوض في هذه المسألة ما يسميه «القاموس الخاص»، معتبراً أن الملحمة العسكرية المبدعة التي عزفها «جيش اليوم السابع» في أكتوبر ١٩٧٣، نجحت بعد أن قام علي تنفيذها جيش جديد.. قامت مصر ببنائه مقاتلا مقاتلا، وطوبة طوبة، وسلاحاً بعد سلاح، واعتمدت في بنائه علي جيل يراه محمود عوض العمود الفقري لتلك الحرب، جيل من المتعلمين وخريجي الجامعات الذين أصبح الجيش بكل فروعه يطلبهم بشكل فوري، هذا الجيل يصفه محمود عوض بأنه أول إنتاج متراكم لنهضة كبري بدأت قبلها بسنوات نهضة عنوانها «مجانية التعليم».
ويعتبر أن هذا الجيل أخذ علي عاتقه تحقيق مستحيل هو أن تمتلك مصر جيشاً عصرياً، وهو يري أن الاستحالة هنا طبيعية، لأن مصر تتاح لها فقط ربع ساعة حرية في كل قرن، وإذا لم تستثمر مصر ربع الساعة هذا في بناء جيش، حيث تواجه به أطماع الوحوش الكاسرة في الغابة الدولية، يصبح مصير مصر هو الاضمحلال، حيث يدور تاريخها الدرامي بين القمة والحضيض دون وسط.


ويتلمس محمود عوض في غمار حديثه عن «اليوم السابع» ظاهرة لا تترك مجالاً من مجالات الحياة إلا وتقتحمه، وهي خلط الخاص بالعام، ودفع الأمور إلي الابتعاد عن الأحكام الموضوعية والمهنية الصرفة، ويدفعك حديثه لتذكر يوم قبل ٨ سنوات، حيث احتفلت مصر بمرور ٢٥ عاما علي الاحتفالات بانتصارات أكتوبر، وكانت الاحتفالات هي الأكبر في تاريخنا، وتم فيها توزيع ميداليات وأنواط علي أسماء وأشخاص من شاركوا في الإنجاز، وخلت الأسماء من سعد الدين الشاذلي رئيس أركان حرب القوات المسلحة حتي الأسبوع الأخير من حرب أكتوبر، وكان لاستعباد اسمه مغزي سياسي بالطبع، وله علاقة بموقف الشاذلي من الرئيس السادات.


وعند هذه النقطة يستغل محمود عوض طرح اسم سعد الدين الشاذلي عليه في إحدي الندوات ليؤكد علي مبدأ الفصل بين العام والخاص، فإذا كنا نتحدث عن حرب أكتوبر فالشاذلي أحد أركانها بكل موضوعية، أما إذا تحدثنا عن الشاذلي كسياسي فله مواقفه التي نختلف فيها معه أو نتفق، لكننا لا يجب أن نختلف عليه كعسكري شارك في صنع ملحمة «اليوم السابع» وكان رئيساً لأركان الجيش قبل الحرب بسنتين، وحتي أحيل إلي التقاعد في الأسبوع الأخير من الحرب.


يقولها محمود عوض بوضوح: «سعد الدين الشاذلي بصفته العسكرية هو أحد أعمدة العسكرية المصرية الحديثة، ولو لم يفعل في حياته سوي أنه كان رئيسا لأركان حرب القوات المسلحة المصرية التي بدأت حرب أكتوبر لأصبح هذا يكفيه، ولا نستطيع أن نسحب منه ذلك لأن السياسة تغيرت أو لأن السياسيين يختلفون».


يحاول محمود عوض أن يبتعد بإنجاز النصر الكبير عن ساحة الخلافات السياسية، ويتطرق إلي الحديث عن «رجال اليوم السابع» فهؤلاء الرجال صنعوا جميعا نصر أكتوبر، وإيماننا بهم لابد أن يكون كاملاً، ولا يجب ألا نفرق بين أحد منهم، فهو نصر جيل خالد ضم القائد الأعلي أنور السادات، والقائد العام أحمد إسماعيل، ورئيس الأركان سعد الدين الشاذلي، وقائد القوات الجوية حسني مبارك ورئيس غرفة العمليات محمد عبدالغني الجمسي، وقائد قوات الدفاع الجوي محمد علي فهمي، وآخرين كثيرين في جميع أفرع القوات المسحلة قادة وأفراداً كلهم سواء بسواء، ويلحق بهم كل مدني في موقعه، وكل من ربط الحزام علي بطنه لتوفير ثمن رصاصة للمعركة، وقبل هؤلاء جيل ممن أعادوا تأسيس الجيش عقب محنة ٦٧ الاستثنائية يتصدرهم الرئيس جمال عبدالناصر، والفريق عبدالمنعم رياض رئيس أركان حرب الجيش الذي استشهد في الصف الأمامي للجبهة كأروع مثل لقائد في ميدان المعركة.


وينال المشير محمد علي فهمي قائد ومؤسس سلاح الدفاع الجوي الذي خاض حرب أكتوبر قسطاً وافرا من اهتمام محمود عوض، وهو اهتمام يستحقه، خاصة إذا كان الرجل وسلاحه أبرز عوامل النصر.
بعد أن قرر الرئيس جمال عبدالناصر أن يصبح الدفاع الجوي قيادة مستقلة في القوات المسلحة، اختار محمد علي فهمي مسؤولاً عن تلك القيادة، وكانت بداية تحول خطير غير مسار الصدام في المنطقة كلها، ونجح الرجل في بناء سلاحه تحت ضغط من القصف المعادي، ونجح في الوصول بحائط الصواريخ الشهير إلي أقرب نقطة من قناة السويس، وفي أسبوع واحد سمته إسرائيل أسبوع تساقط الطائرات، أسقطت صواريخ الدفاع الجوي المصرية ١٧ طائرة إسرائيلية، ووضعت مصر أيديها علي تسعة طيارين إسرائيليين أحياء، ووقف وزير الخارجية الإسرائيلي يعترف أن سلاح الطيران الإسرائيلي يتآكل. أما الفريق عبدلمنعم رياض أعلي رأس في العسكرية المصرية وقتها بقدر ما كان يتطلع إلي النصر كان استشهاده بداية للنصر، أو كما يصفه محمود عوض بأنه نهاية البداية.


وحسب وصف العماد مصطفي طلاس وزير الدفاع السوري السابق، فإن استشهاد رياض اخترق حالة البلبلة والانهزامية واليأس التي حاولت إسرائيل فرضها علينا بعد ١٩٦٧، وكان الرجل شعاعاً مضيئاً في الظلام، باعتباره عسكريا محترفاً، ومتبحرًا في العلم العسكري، ويتابع القتال من الخندق الأمامي، وهو يعرف مسبقا أنه في بؤرة الخطر.. أقصي درجات الخطر.


مثل هذا السلوك.. والكلام يرويه محمود عوض علي لسان طلاس، لا يفعله إلا قائد مؤمن بجنوده وضباطه وجيشه وبلده، والأهم إيمانه «بأن إرادة النصر يجب أن تبدأ من الرأس».
كل رجال اليوم السابع كانوا من ماركة «عبدالمنعم رياض»، ولهذا نجحوا في تغيير وجه التاريخ، وكانوا جميعهم قادة ضربوا المثل في كل شيء.


رجال اليوم السابع، أيضا لم يقتصروا علي القادة والجنود بل امتدت قائمتهم إلي كل شعب مصر الذي واجه امتحان عمره بصلابة وإيمان بأن هزيمة يونيو ٦٧ استثناء من التاريخ، ويجب أن تكون هزيمة في جولة وليست في حرب ـ استثناء وليس قاعدة ـ والقاعدة هي أن مصر قوية، وقوتها تبدأ من عقلها وإرادتها وإصرارها علي الإعداد ليوم سابع يكنس تماما «حرب الأيام الستة» هؤلاء الرجال كان فيهم من هو وراء خط النار، وكان فيهم بنفس الأهمية والصلابة والتضحية ونكران الذات، زوجات وأمهات وأباء وأولاد وبنات.


الاستعمار الجديد و«الموسيقي العذبة»
 
كان الرئيس الأمريكي الأسبق إبراهام لينكولن واحدا من أبرز زعماء الولايات المتحدة الأمريكية، وكان يكرر في خطاباته العامة المعني التالي: «باعتباري محاميا ورجل قانون سابقًا فإنني لا أفهم في الاقتصاد، لكن بصفتي رئيسًا للولايات المتحدة أعرف أنك كمواطن أمريكي حينما تشتري سلعة مصنوعة في بريطانيا مثلا فإن الذي يستفيد من دولاراتك في هذه الحالة هو عامل بريطاني صنعها وصاحب مصنع بريطاني أنتجها، وخزينة بريطانية أخذت عليها رسومًا، وصاحب سفينة بريطانية نقلها عبر المحيط، أما إذا اشتريت سلعة أمريكية فإن كل المستفيدين هولاء يكونون أمريكيين، و تصبح الضرائب التي يسددونها هي ذاتها التي تقام بها خدمات ومرافق لك ولأولادك».


يستدعي محمود عوض هذه الكلمات من مخزن قراءاته، مقدمًا مثالاً بسيطًا لدور الدولة في حماية نفسها وشعبها من التآكل والتحلل، ويطرح سببين رئيسيين لتآكل الأمم، الأول هو الانسحاب من العصر، والانعزال وراء الأسوار، مستشهدا بنموذج الصين في القرن الـ ١٧، حيث اختارت الانسحاب، واكتشفت أن انسحابها هذا يجعلها أكثر ضعفًا وأقل معرفة بأسباب القوة الجديدة في عالم متغير، فإذا كان علي الصين أن تكسر مرحلة إذلالها يصبح عليها أولا أن تدرس بصرامة وجدية أسباب قوة الآخرين، وتعمل ليل نهار علي اللحاق بركب التقدم، أما السبب الثاني للتآكل فهو الوجه الآخر للانعزال والانسحاب، بما يعني الانفتاح بلا حدود، وفتح كل الأبواب لدخول الوافدين دون اعتبار لآثار ذلك علي حزب الداخل بكل ما يحويه من قيم حضارية واجتماعية، وطاقات إنتاجية. ويعتبر عوض منظمة التجارة العالمية، الذراع الثالثة للاستعمار الجديد بعد صندوق النقد والبنك الدوليين.


المسألة يطرحها في جمل بسيطة: «هم ينتجون ولديهم فائض يبيعونه للآخرين، ونحن مستهلكون ولدينا نقص يجب أن نشتريه من الآخرين، وإذا استمرت المعادلة علي هذا النحو فلا أحد يحتاج إلي احتلالنا.. نحن نصبح قابلين للاحتلال فعلا.. والموسيقي التصويرية رقيقة وعذبة: باسم الحرية افتح سوقك، افتح تجارتك، افتح جيبك، إنها حرية التجارة، وكل حديث عن الحرية يظل ممتعا لأنها ـ من قبل ومن بعد ـ الحلم الأكبر للإنسانية».


من بين هذه الكلمات ندرك الفارق الكبير بين خطبة إبراهام لينكولن، وبين فلسفة واشنطن في قيادة منظمة التجارة العالمية حاليا، بين دعوي حماية المنتج المحلي، والرغبة المحمومة في ترك السوق للمنافسة البحتة، وحتما هي منافسة لصالح الأقوي والأقدم والأكثر إمكانية.
والتفسير واضح في عهد إبراهام لينكولن كانت الولايات المتحدة تبني وحدتها وتبني اقتصادها وطاقاتها الإنتاجية، بينما هي الآن أنجزت كل شيء، ولم يعد يشغلها إلا سؤال واحد: كيف تسوق إنتاجها؟
وهي في سبيل تحقيق ذلك لا تهتم بالوسائل بقدر اهتمامها بالنتائج، ولتحقيق هذا الهدف ترفع شعاراتها حول حرية التجارة، وهي حتي الآن مازالت تضع المئات من القيود المنظورة، وغير المنظورة في أسواقها ضد واردات الآخرين.


والولايات المتحدة في هذا الصدد مثلها مثل أي قوة صناعية تلجأ لنفوذها السياسي والاقتصادي وأحيانا العسكري لفرض إنتاجها، وهي قوة استعمارية تستوعب تماما خبرات من سبقوها في هذا الصدد، ألم تشن بريطانيا حربا مدمرة ضد الصين لفرض منتجاتها، ورغم أن ذلك كان قبل أكثر من ١٥٠ عامًا، إلا أن فلسفة الاستعمار المستتر تحت دعاوي حرية التجارة واحدة.


وتحت هذه الشعارات تتسلل القوي الكبري إلي بلادنا باستعمار جديد.
ويلتمس محمود عوض لأمريكا بعض العذر بطريقة: «لماذا نلوم دولة تحمي شعبها؟»، حيث يؤكد أن اللوم الحقيقي لابد أن يقع علينا في المنطقة، حيث نهدر الفرصة تلو الفرصة، ونهدر الفروق والمميزات التي نتمتع بها في منطقة عربية متصلة، وذات لغة واحدة، وذات تنوع مناخي وإنتاجي يمكن أن يصب في صالح الجموع، بدلا من سياسة العزف المنفرد التي تنتهجها كل دولة.


ويقول محمود عوض: «أمريكا لا تفعل ذلك حبًا في إفقار الآخرين أو إصرارًا علي إضعافهم، لكنها تفعله أساسا لحماية مصالح شعبها، ولو كنا في مكان الأمريكان لفعلنا مثلهم». ويستحضر مقولة لمؤرخ كبير بحجم «آرثر شيلزنجر» الذي كان واحدا من أبرز وألمع مستشاري الرئيس الأمريكي الراحل جون كيندي، حيث كتب مرة معترضا علي نصائح صندوق النقد الدولي للدول النامية، يقول: «لو أن المقاييس التي يطبقها صندوق النقد الدولي حاليا علي الدول النامية، كان قد تم تطبيقها علي الولايات المتحدة في القرن الـ ١٩ فإن نمونا الاقتصادي كان سيستغرق وقتًا أطول بكثير، والآن فإن قيامنا بإلقاء المواعظ علي الدول النامية لتطبق سياسات انكماشية في اقتصادها يضعنا في موقف الغانية العاهرة التي بعد أن جمعت ثروة تسمح لها بالتقاعد بدأت في نصح الآخرين بإغلاق بيوت الدعارة لأنها ضد الفضيلة»!.


حين يقول أغنياء العالم لفقرائه افتحوا أبوابكم وأسواقكم للتجارة الحرة، فهذا يساوي أن تطلب من طفل في الخامسة من عمره الدخول في سباق جري مع بطل أوليمبي، أو تطلب من صناعات ناشئة أن تناطح رأسا برأس صناعات تملك أسواقًا أوسع، ولديها موارد أكثر وعندها عضلات أقوي تنامت وتراكمت لمائتي سنة علي الأقل.


ويلفت عوض إلي أن الاستسلام للروشتات القادمة من الخارج اقتصاديا لن يحقق تنمية ولا يحزنون فالنموذج الغربي الذي بني عليه نهضته لا يصلح للتطبيق في العالم الثالث.
إن التنمية والتوسع الاقتصادي لا ينفصلان عن الأبعاد الاجتماعية، والاستثمار في البشر لا يختلف كثيرا عن الاستثمار في أي منتجات، وهو ما يبدو أن محمود عوض يدعو إليه، حيث تقرأ بين السطور رغبة من جانبه في أن تستغل الدول النامية التوحش الغربي لفتح الأسواق أمام المنتجات، وتطالب أيضا بفتح الأسواق أمام البشر، وأمام العمالة، حيث تمتلك هذه الدول من هذا المنتج ما يسمح لها بالتصدير، ويستحضر هنا مباحثات للرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر مع رئيس الوزراء الصيني، حيث طالب الأول الصين بفتح أسواقها وسمواتها وبيوتها أمام المنتجات الأمريكية، والثقافة الأمريكية، والأفلام الأمريكية تحت عنوان فضفاض وجميل اسمه «حقوق الإنسان». لكن رئيس الوزراء الصيني يرد علي كارتر قائلا: لنفترض أن الصينيين بعد فتح الأسواق أمام أمريكا انبهروا بالنموذج الأمريكي، وسعي ١٠% منهم للهجرة إلي أمريكا للعيش والعمل والتعليم هل ستقبلون بهم إيمانا بحقوق الإنسان في الاختيار، وبالطبع لم يرد كارتر.


الخلاصة من جهد محمود عوض في عدة مقالات تقول إنه لابد لنا من أوراق نستطيع الدخول بها إلي العالم، ولا يجب أن نستسلم لشروط الآخر واتفاقاته التي يصوغها ويفند بنودها وفق مصالحه، لابد أن نحمي أنفسنا وشعوبنا وصناعتنا وتجارتنا وقيمنا وثقافتنا، حتي لو تطلب الأمر اتخاذ إجراءات وقيود، فهذا حقنا، فالاتحاد الأوروبي يشترط أن تذيع أي محطة تليفزيونية أو دار عرض سينمائية ٥١% علي الأقل من عروضها إنتاجًا محليًا، ولا يقبل بالضغوط الأمريكية في هذا الشأن، واليابان ترفض استيراد الأرز من الخارج، لأن الأرز محصول قومي ويمثل عند اليابانيين تاريخ وأمن قومي.


درس من سيرة النجوم

القمــة تتســـع لكــل مــوهبـــة
لا تشعر يومًا أنك أقرب إلي عبدالحليم حافظ إلا إذا قرأت عنه لمحمود عوض، الأمر لا يقتصر علي عبدالحليم فقط وإنما يمتد إلي نجوم هذا العصر الذهبي، الذي تفجر بالمواهب والقامات في كل مجال وليس الغناء فقط.


لم يكن محمود عوض يومًا محررًا فنيا، ولكن المواهب الحقيقية في هذا العصر كانت من الذكاء بحيث تلتقط بعضها البعض كمغناطيسات قوية، وهو ما تلمسه بين سطور الكتاب في أكثر من موقع سواء في معرض حديثه عن عبدالحليم أو عبدالوهاب اللذين يركز عليهما من بين جميع الفنانين في ذلك الوقت، وتجد أن كليهما كان يبدو حريصا علي إحاطة نفسه برموز ثقافية وعامة تشكل إضافة لوضع كل منهما كفنان ورجل مجتمع، وهو ما يؤكده محمود عوض نفسه في اقترابه من شخصية عبدالوهاب التي يصفها بأنها «شخصية تليفونية» مشيرا إلي أنه كان يستمد ثقافته ويشكل رؤاه السياسية والاجتماعية من حواراته مع أصدقائه الذين يحرص علي اختيارهم بعناية، ومنهم محمود عوض بالطبع.


وإذا كان الأمر بالنسبة لحليم وعبدالوهاب يصب في خانة دعم النجومية وتقويتها، فقد كانت المسألة بالنسبة لمحمود عوض صداقة حرص عوض طوال تاريخها علي ألا يترك لحسه كصحفي لامع الفرصة للاستفادة من هذه الصداقة مهنيا، ويقول: «إن الصداقة الحميمة يجب أن يكون لها قوانينها الذاتية غير المكتوبة، وهو ما يتقاطع غالبا مع احتياجات تشابك المصالح التي قد تفرضها الصحافة الفنية».


يقترب بك محمود عوض مما يصفه بعبدالحليم «الكائن الإنساني متعدد التضاريس متدفق المشاعر وسريع الانفعال وشديد الاحتراق فعلا وانفعالاً»، ومن خلال قربه من حليم يؤكد أنه لم يكن يوما من الأيام مطرب سلطة، وأن حليم خاض مشوار نجاحه مرتين، الأولي لكي يصل إلي القمة، والثاني لكي يستمر فيها، وفي الأولي وجد عبدالحليم من شاركوه وكانوا جزءا من نجاحه، ويجدد عوض تأكيده علي أن ظاهرة عبدالحليم، لا يمكن تفسيرها أو فهمها دون الالتفات إلي مشاركة كمال الطويل ومحمد الموجي ومن بعدهما بليغ حمدي.


يضعنا محمود عوض أمام حقيقة لمسها بنفسه عن عبدالحليم، فيقول إن الوصول إلي قلوب الناس بلون جديد كان تحديا أمام حليم في ظل وجود أسماء كبيرة وقتها كانت لها قاعدتها الجماهيرية العريضة، وبعيدا عن عبدالوهاب وأم كلثوم، كان هناك فريد الأطرش ومحمد فوزي وعبدالعزيز محمود، وعبدالغني السيد، وهو ما يعني ـ حسب تأكيد عوض، أن عبدالحليم اقتنع من البداية بأن عليه ألا يكون بديلا لأحد أو مزاحما لأحد، لأن القمة تتسع لكل موهبة. درس جديد يقدمه محمود عوض من سيرة عبدالحليم حافظ، يفيد الجميع سواء كانوا فنانين وغير ذلك، ويلخص ظاهرة حليم الفنية في جملة بسيطة مفادها أن صوته القادم من الأعماق يتسلح بالرقة حينما يتيسر، وبالإصرار حين يلزم، وبالشدة حين يحب، وبالصدق في جميع الأحوال.


وبينما كانت الصداقة مع عبدالحليم هي أبرز ملامح محمود عوض، وهي صداقة حرص كلاهما عليها، كان عبدالوهاب أشد حرصا علي صداقة كتلك، حرص ينبع من ذكاء فني ومهني وإنساني جعل عبدالوهاب الذي صعد نجمه مع الملكية، لا تخفت نجوميته مع الثورة، وأبقاه بعيدا عن التقسيمات والتوصيفات الأيديولوجية والسياسية، ومنذ أن تبناه شاعر كبير في حجم أمير الشعراء أحمد شوقي، يبدو أن عبدالوهاب تعلم هذا الدرس الذي أشرنا إليه سابقا وهو حرصه علي الاستفادة من كل المواهب من حوله، وهو الأمر الذي جعله يبدأ تدريجيا في الانسحاب من سوق الغناء، فارضًا نفسه موهبة موسيقية كبيرة، مقتنعا مع نفسه بأن مواهب كبيرة مثل أم كلثوم وعبدالحليم يمكن أن يستفيد هو نفسه منها لتقديم ألحانه، وفرضها.

 هذا الذكاء جعل عبدالوهاب الذي وصفه محمود عوض بالشخصية التليفونية ـ كما قلنا ـ يحاول الاستفادة من كل موهبة، وكان محمود عوض نفسه هو أحد هذه المواهب التي استفاد منها. حالة القرب التي وفرتها الصداقة لمحمود عوض مع نجوم هذا الزمان، جعلته شاهد عيان علي كثير من المواقف التي جمعت هؤلاء النجوم، أطرفها ما يمكن أن نعنونه بـ «محاولات انقلاب في المغرب تنقذ عبدالوهاب من مواجهة مع أم كلثوم». ويتلخص الموقف في وجود محمود عوض وسط حشد كبير من النجوم في الرباط، في إطار الاحتفالات بعيد ميلاد الملك الحسن، المعروف عنه ولعه بالفن، وصداقته بالفنانين، حشد الملك الراحل كل نجوم هذا العصر ما عدا أم كلثوم التي لم تكن موجودة ـ وقاد الملك الفرقة الموسيقية بنفسه، وفي إطار هذا الحفل طلب الملك من عبدالوهاب أن يغني بصوته أغنية «ودارت الأيام».

لم يكن أحد يتصور ـ حسب محمود عوض ـ حجم الاضطراب الذي أصاب عبدالوهاب بطلب الملك، لم يستطع الرفض، باعتبار أن أوامر الملك مراسيم ملكية لا يمكن رفضها، وأعطاه الملك يوما كاملا للاستعداد لغناء «دارت الأيام». وحسب ـ محمود عوض ـ لم يكن من صفة عبدالوهاب في أي وقت معارضة السلطة ابتداء من عسكري مرور إلي ملك بحجم ومودة وكرم الملك الحسن، وفي الوقت الذي لم يستطع فيه عبدالوهاب أن يبدي اعتراضه مباشرة، راسما علي وجهه قناع السعادة والامتثال، ظل يردد مع نفسه عبارة «ربنا يستر».
جزع عبدالوهاب كما يفسره محمود عوض لم يكن من الملك، ولا من غيره، كان من أم كلثوم شخصيا.


عبدالوهاب يعرف أن أم كلثوم تفرض علي أي ملحن يعمل معها مهما كان قانونها الخاص أن يلتزم الملحن بألا يردد بصوته في أي مكان الأغنية، وأن تكون هي وحدها المعبر عن الأغنية «غناء وكلمات ولحن».
ومخاوف عبدالوهاب تمثلت فيما يمكن أن يحدث لو عرفت أم كلثوم أن عبدالوهاب غني «دارت الأيام»، وهي حتما ستعرف فالحشد كبير، ولم يعد أمامه وقتها سوي خيارين، أن يغني الأغنية فيسعد الملك وتحاسبه بعد ذلك أم كلثوم، أو لا يغنيها فيحاسبه الملك وترضي أم كلثوم!!.
وكان رد عبدالوهاب قاطعًا لمحمود عوض: «حساب أم كلثوم يوجعني أكثر» وهي كلمة لها مغزاها سواء فيما يتعلق بشخصية أم كلثوم الحازمة مع الجميع، أو عبدالوهاب الذي يحترم تعهداته.


وبينما ظل عبدالوهاب في حيرته شاعرا أنه وقع بين مطرقة أم كلثوم من ناحية وسندان صديقه الملك من ناحية أخري، كانت الأقدار تحيك له مخرجا نظيفا، حيث جرت في ليلة الحيرة تلك محاولة انقلاب مسلحة فاشلة استمرت ٢٠ ساعة كاملة، ونجح الانقلاب في إنقاذ عبدالوهاب من «حساب أم كلثوم»!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق