الاثنين، 11 ديسمبر 2006

اعتذار رسمي لـ «فاروق جويدة»

لم يقل المستشار ممدوح مرعي وزير العدل جديداً حين تطرق للتعيينات بالنيابة والقضاء، ووصفها بأنها «مهزلة بكل المقاييس» واعترف بوجود مجاملات ومخالفات صارخة في هذه التعيينات صارت حقيقة وواقعاً،
بقدر ما كانت تصريحاته اعترافاً صريحاً وشجاعاً من المسؤول الحكومي المكلف بـ «إدارة العدل»، بدخول فيروس «الواسطة» إلي حصن القضاء الشامخ، وتهديده بالنخر في احترامه وهيبته ومصداقيته، مثلما فعل هذا الفيروس اللعين في معظم مؤسسات الدولة وأجهزتها.
وتضمنت تصريحات مرعي أيضاً اعتذاراً رسمياً من الوزير ـ القاضي قبل المسؤول ـ للكاتب الكبير والشاعر الرقيق فاروق جويدة بعد عام تقريباً علي أزمته الشهيرة مع مجلس القضاء الأعلي بسبب مقال كتبه جودة في نفس القضية، ونقل فيه غضب واحتجاج وشكاوي عدد من الشبان المستبعدين من التعيينات القضائية، رغم تفوقهم في كليات الحقوق، لصالح عدد من أبناء وأقارب القضاة من الراسبين في كليات الحقوق والناجحين من الدور الثاني أو الحاصلين علي تقدير مقبول، وآخرين ممن قضوا في الكلية ٨ و٩ سنوات في محاولة للحصول علي الليسانس.
حمل جويدة في مقاله الشهير صوت الناس وشكاواهم وألقي الضوء علي انتقال أمراض «عدم اللياقة الاجتماعية» إلي مؤسسة القضاء، وكأن اللياقة الاجتماعية لا تكتمل لخريج الحقوق المتفوق إلا لو كان قريباً لأحد المستشارين، وبالتالي يخرج آلاف الشباب من خريجي الحقوق خارج السياق بدعوي أنهم غير لائقين اجتماعياً.
وضاق صدر مجلس القضاء الأعلي وقتها بقلم جويدة، وحرك ضده اتهاماً بـ «سب وإهانة القضاء»، وأجرت معه النيابة العامة تحقيقاً استمر ست ساعات كاملة كانت سبباً في أزمة صحية كبيرة ألمت بالشاعر والكاتب الكبير.
ربما كان من حق القاضي أن يتطلع إلي أن يجلس ابنه علي منصة القضاء، لكن ليس من حقه أن يفرض علي المنصة شاباً فاشلاً عجز عن الحصول علي مؤهله الجامعي بتقدير مناسب، ليتحول الأمر إلي توريث لا يدرك خطورة التركة التي ستؤول للوريث في هذه الحالة، والذي سيكون مسؤولاً عن تحقيق العدل في الوقت الذي انتهك فيه بنفسه كل قيم العدل والمساواة والإنصاف من أجل الوصول إلي موقعه القضائي غير المستحق.
ورغم أن الجدل حول ذلك مستمر منذ أزمة جويدة وحتي الآن، فإن مجلس القضاء الأعلي والهيئات القضائية مازالوا رافضين الإجابة عن سؤال تردد كثيراً مفاده: لماذا الإصرار علي قبول الدفعات التكميلية بتقدير «مقبول ودور ثان» من كل عام، وكأن خريجي الحقوق من الحاصلين علي تقديرات مرتفعة لا يعانون من بطالة سببها الرئيسي هو تفشي المحسوبية والمجاملات في جميع مؤسسات الدولة، ولا أدري لماذا تهدر الهيئات القضائية القيم التي استقرت عليها جميع الأنظمة القضائية في العالم، والتي حرصت علي أن يكون التعيين في هذا المنصب الرفيع مقصوراً علي خريجي كليات الحقوق من الأوائل والمتفوقين، وفي ذلك تأكيد لسيادة القانون وهيبة المنصب وقدسيته.
بين يدي بيان موقع من خمسين قاضياً وعضو نيابة عامة يمثلون ما يسمي «جبهة القضاة وأعضاء النيابة» ويلقي البيان ـ المعنون بـ: «التوريث في جهاز القضاء المصري» ـ بالمسؤولية علي مجلس القضاء الأعلي بتشكيله الحالي الذي نص عليه قانون السلطة القضائية رقم ٤٦ لسنة ١٩٧٢، وجعله المختص بنظر كل ما يتعلق بتعيين وترقية ونقل وندب وإعارة رجال القضاء والنيابة العامة، واعتبر البيان أن الثقة التقليدية العامة المستقرة في القائمين علي تطبيق رسالة العدل مستها بعض الشوائب بسبب التحلل من التقاليد والخروج عن الضوابط السليمة في اختيار رجال القضاء.
وأكد البيان أنه كان يتعين علي مجلس القضاء الأعلي أن يضع ضوابط وقواعد عامة مجردة وموضوعية وثابتة ومستقرة ولها صفة الدوام في اختيار «معاوني النيابة» باعتبارهم الرافد الأصلي الذي يمد سلك القضاء برجاله، لدعم مستقبل القضاء والاحتفاظ بالثقة التي ظل علي مدار السنين يتمتع بها، وتعجب البيان من سماح مجلس القضاء الأعلي في الأعوام الماضية بقبول الحاصلين علي تقدير «مقبول» بسبب الوساطة والمحسوبية ومجاملة الأبناء علي حساب من اجتهدوا وتفوقوا ونالوا التقديرات المرتفعة.
واعتبر البيان أن مصطلح «الدفعات التكميلية» حيلة مبتكرة لحبك الشكل القانوني لقبول الراسبين، مشيراً إلي تعيين ست دفعات أصلية وتكميلية خلال سنة لخريجي أعوام ٢٠٠٢ و٢٠٠٣ و٢٠٠٤، وتم الإعلان عن قبول تعيين الدفعة الأصلية لخريجي ٢٠٠٥ هذا العام، إضافة إلي إعلان «داخلي» خلف أبواب دار القضاء العالي المغلقة ـ وليس في الصحف كما ينص القانون ـ عن دفعة تكميلية خلال شهر أكتوبر الماضي، واستمر الإعلان في سرية تامة لمدة أربعة أيام فقط.
وقال البيان بالنص: «قبول الدفعات التكميلية شابه العديد من القصور، ويكفي أن تعلم أن من بيدهم مقاليد الأمور في المجلس قبلوا «أبناءهم» الناجحين بـ «الكاد» وفي دور أكتوبر «الدور الثاني» الخاص بالملاحق، وأن هناك من تم قبولهم رغم حصولهم علي تقدير مقبول واستمرارهم في كلية الحقوق لمدة ٨ أعوام كاملة حتي الحصول علي الليسانس».
أعرف قضاة يجبرون أبناءهم علي الالتحاق بكليات الحقوق ضماناً للوظيفة، وبعضهم يجبر بناته علي دخول الحقوق أيضاً علي أمل تعيين المرأة في درجات القضاء مستقبلاً، أو توفير وظيفة لهن في النيابة الإدارية، وأعرف أيضاً أبناء قضاة في كليات الحقوق يتعاملون مع زملائهم من الطلاب الكادحين والمتفوقين، علي اعتبار أن وظيفتهم في النيابة محسومة وفي الانتظار.
لكنني لا أعرف كيف يمكن أن أثق في حكم قاض أعلم أنه جلس علي المنصة مجاملة لعمه أو خاله أو والده، وأعرف أيضاً أنه تخرج في كلية الحقوق بالكاد، بينما زملاؤه المتفوقون في الشارع لمجرد أنهم لا يملكون هذا العم أو ذاك الخال.
لا أهدف من هذه السطور التشهير بمؤسسة القضاء أو برجالها، وإنما أرجو أن يكون فتح هذا الملف بداية لتنظيف ثوب القضاء الشامخ حفاظاً علي هيبته وقدسيته وضماناً لاستمرار الثقة المطلقة التي جعلت المصريين مؤمنين دائماً بأن القضاء حصنهم الأخير، وربما الوحيد.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق