الاثنين، 3 أغسطس 2009

الوسيط

تتوسط مصر، اليوم، بين عناصر حركة فتح وبعضها البعض، فى محاولة لإعادة توحيد الحركة الرائدة فى العمل الفلسطينى، خاصة بعد الانشقاقات التى شهدتها، وأعلاها اتهامات فاروق القدومى لمحمود عباس ودحلان بالضلوع فى اغتيال الزعيم ياسر عرفات، كما تتوسط مصر بين حركتى فتح وحماس باعتبارهما الفصيلين الرئيسيين والفاعلين فى الساحة الفلسطينية، اللذين يتنازعان «الوطن المفترض» ويقتسمان ماهو متاح منه، فتقضى حماس وقتها بسعادة وإيمان فى غزة، وتفعل مثلها فتح فى الضفة، وتتوسط مصر كذلك بين الفلسطينيين والإسرائيليين فى محاولة لإعادة دفع عملية السلام وإنهاء الصراع بحسم ملفات وقضايا الوضع النهائى فى ظل حكومة يمينية متطرفة لا يتوقع منها أحد أى شىء.
تتوسط مصر وتتوسط وتواصل وساطتها كصاحب عقار يصر على بناء الطابق الأخير بينما يرمم فى الأعمدة الخرسانية، ويحاول إيجاد حلول لضعف الأساسات، وبينما يحاول فى كل هذه الاتجاهات يفاجأ بانهيار فى الشرفات فيضم مهمة إعادة بنائها إلى باقى المهام «ترميم الأعمدة - دعم الأساسات - بناء الطابق الأخير».
تتوسط مصر وتتوسط وتواصل وساطتها كبحار شريف فوجئ بسفينة مجاورة توشك على الغرق بينما القبطان يتشاجر مع مساعديه، والمساعدون يتشاجرون مع ضباط الاتصال، وضباط الاتصال يتشاجرون مع الركاب، وهو يحاول كبحار شريف ملتزم بقانون البحر أن ينقذها، يضع يداً ليسد ثغرة ينفذ منها الماء، فيفاجأ بمشاجرة بين قبطان ومساعد ينتج عنها ثغرة جديدة، فيضع يده الثانية ليسد الثغرة، فإذا بثالثة، ورابعة، وخامسة.. مازال القبطان ومساعدوه يتشاجرون، ويقتسمون السفينة فيما بينهم، ومازالوا يطالبون البحار الشريف بمواصلة جهوده لإنقاذ السفينة، وإلا أصبح متقاعساً ومتخاذلاً وخائناً.
تتوسط مصر وتتوسط وتواصل وساطتها.. تحاول رأب صدع فتح والمنظمة والسلطة وحكومة الضفة وحكومة غزة، وغداً، ستتوسط بين اثنين يتشاجران على مائة شيكل فى الضفة.. وبين تاجر ومفتش تموين فى غزة، وبين ثلاثة أطفال يتشاجرون على بالونة عليها صورة عرفات فى حديقة للطفل فى رام الله، وبين رجل طلق زوجته فى خان يونس وزوجته التى رفضت أن يتزوج عليها امرأة أخرى، إعمالاً لرخصة منحها الله له ويخشى أن يحاسبه على عدم الأخذ بها، ستتوسط مصر بين جارين فى الخليل يتنازعان على جدار فى المنتصف، وبين أربع زوجات فى غزة يتشاجرن على تنظيم جدول مبيت الرجل بالعدل فيما بينهن.
ستتوسط مصر وتتوسط، وستواصل وساطتها فى كل ركن وشبر من الأراضى المحتلة، ستتفرغ للوساطة، وستنشئ جهازاً محترفاً من الوسطاء المحترفين ومعاهد عليا وكليات ومدارس، لتلبية الحاجة الملحة فى سوق العمل الفلسطينية التى تنمو خلافاتها، كما تنمو مفردات النضال والصمود والمقاومة على منابر الخطابة والإنشاء.
ستتوسط مصر وتتوسط وستواصل وساطتها لأنها لا تملك بديلاً غير ذلك، مصالحها هناك وسمعتها أيضاً.. وإلا كانت متقاعسة ومتخاذلة ومفرطة وعميلة وخائنة.. لتبقى أكاليل النضال والشرف حصرية فقط على مناضلى الضفة ومجاهدى غزة!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق