الاثنين، 24 أغسطس 2009

بـ«أمارة» إيه؟

يعتقد أحمد أبوالغيط، وزير الخارجية، ومساعده للشؤون القنصلية السفير أحمد رزق، أن المؤسسة التى يمثلانها بذلت مجهوداً خارقاً لتحرير الصيادين المختطفين، تذكر فقط أن رزق نفسه هو ذات الشخص الذى أبلغ ذوى الصيادين أن المفاوضات توقفت، وأن الخارجية لن تدفع الفدية، ثم طلب منهم أن يلجأوا للمجتمع المدنى لجمع مبلغ الفدية، وأخيراً قال لهم: «لا نملك لكم إلا الدعاء».
دعك من كل هذا وحاول أن تصدق الرجلين فيما يزعمان، هما بذلا مجهوداً خارقاً ومضنياً، لكنهما لا يفصحان عنه ولا يروجان له ولا يشرحان طبيعة هذا الجهد، وهذا ليس حباً فى فضيلة العمل فى صمت، فلابد أن تعرف أن الخارجية ليست المخابرات وعملها لا تغلفه سرية عالم المخابرات، والأصل أن تملك من الحجج والبراهين ما يدفع عنها اتهامات الإهمال والتخلى، لأن عملها فى المقام الأول مرتبط بمهارات الخطاب والتواصل، وذو صلة بالرأى العام.
لك أن تتخيل إذن أن المؤسسة التى من المفترض أن تعبر عنك وعن حكومتك وقضايا وطنك فى الخارج، عاجزة عن أن تعبر عن نفسها، المؤسسة التى من المفترض أن توضح للعالم المواقف المصرية، وأن تتحدث باسمك وتدافع عن مصالحك، تواجه حملة تشكيك طاحنة، ولا تستطيع أن تتحدث باسمها وتدافع عن مصالحها ومصداقيتها وأهليتها.
بماذا تعرف الفشل إذن، إذا كنت ترى موقف الخارجية محصوراً بين اتجاهين، الأول أنها لم تفعل شيئاً وعملت بطريقة السفير أحمد رزق فى «تكبير الدماغ»، ثم حاولت سرقة الكاميرا بعد نجاح الصيادين فى تحرير أنفسهم، والآخر أنها فعلت الكثير والكثير وتواجهها اتهامات من الرأى العام تطول شرفها المهنى فلا تقدم برهاناً واحداً ترد به على هذه الاتهامات، وتفشل فى الدفاع عن نفسها.
لا يكفى شكر حسن خليل، شيخ الصيادين، للخارجية فى معرض شكره لأجهزة أمنية وسيادية ساعدته فى مهمة تحرير الصيادين، ليتشبث به أبوالغيط ورزق، فهذا الشكر يحتاج إلى مذكرة تفسيرية، تجيب عن أسئلة كثيرة ذات علاقة بأداء الخارجية المحبط فى إدارة هذه الأزمة، والذى يتسق مع الأداءات الأكثر إحباطاً فى قضايا المنطقة وملفاتها ذات الصلة بأمننا القومى.
فالرأى العام له ما يظهر أمامه من حقائق واضحة لا تقبل الجدل، الرأى العام شاهد أبوالغيط وهو يعلن الإفراج عن السياح الألمان الذين اختطفوا فى العوينات، والرأى العام شاهد الهزيمة الساحقة الماحقة التى طالت سمعة مصر وشرفها فى أزمة غزة، والرأى العام شاهد الأداء المتردى والمخزى فى أزمة جلد المصريين فى السعودية، والرأى العام شاهد أبوالغيط وهو يتحدث أمام الشاشات فلا يترك أثراً فى نفوس من يشاهدونه إلا مزيداً من القلق على المؤسسة الدبلوماسية المصرية.
والرأى العام لا يجد أمامه أى حقائق تشفع للخارجية فى ملف القرصنة، وكل ما هو ملموس أمامه وثابت من واقع الممارسات والتصريحات يدين الخارجية ويعزز الاتهامات ضدها بالتخلى والتخاذل والفشل.
وزير خارجيتك إذن ومساعده لا يملكان مهارات التواصل الأساسية، وعاجزان عن إقناع الداخل فكيف بالله عليك تثق فى قدرتهما على إقناع الأطراف الخارجية، كيف تأمن على مصالحك وعلاقاتك وسمعتك ونفوذك وأوراق قوتك ومساحة دورك ووضعك الإقليمى، ومن يدير كل هذا ويعبر عنه فشل حتى فى التعبير عن نفسه، كما فشل فى الدفاع عن أرواح مواطنيه وكرامتهم فى كل مكان.
حتى هذه اللحظة مازال أبوالغيط ورزق يكابران.. ونحن لا نريد منهما سوى «أمارة واحدة» على هذه المكابرة، أو فليعترفا بالفشل ويعتذرا عنه فيلحقا بآخر عربة فى قطار الاحترام.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق