الاثنين، 31 أغسطس 2009

دبلوماسية الارتياب


إذا وجَّهت انتقاداً ما لوزارة الخارجية أو وزيرها أو أحد قياداتها، فأنت بلا شك تستهدف الإساءة إلى «الدولة المصرية».. هذا ما يقوله السفير حسام زكى، المتحدث باسم الخارجية، الذى يعتقد أن الوزارة التى يتحدث باسمها هى «الدولة»، ومن يقترب منها بالنقد فهو يرتكب إثماً وطنياً ما بعده إثم، يقف زكى مدافعاً عن وزيره ووزارته وكأنه يقول: «نحن الدولة والدولة نحن.. مَنْ ليس معنا فهو ضد الدولة».
يقول حسام زكى، فى تصريحات ساخنة وبوضوح: «لم ننسب للخارجية أى دور فى تحرير الصيادين»، وزاد على ذلك موضحاً- فى تصريحات نقلتها كل الصحف، ونشرتها جريدة الجمهورية «مانشيت» فى عدد الأربعاء- بقوله: «البعض أصر وبتعمد يثير الارتياب أن الخارجية تريد أن تنسب لنفسها ولو جزئياً شرف تحرير مواطنين مصريين من أسر خاطفيهم وهو الأمر الذى لم يحدث البتة».
ولأننى بعض من هذا البعض أريد أن أحيلك وأحيل السيد حسام زكى إلى يوم الجمعة ١٤ أغسطس، وهو يوم إعلان خبر تحرير الصيادين، ليستمع ولتستمع معه للسفير أحمد رزق، مساعد وزير الخارجية لشؤون القنصلية والمصريين فى الخارج، يعلن أمام المؤتمر القومى الثالث للشباب بالإسكندرية خبر تحرير الصيادين ويقول بالنص: «إن جهود وزارة الخارجية واتصالاتها مع (الجهات المعنية) والعشائر الصومالية أسفرت عن الإفراج عن الصيادين»، ويضيف أيضاً: «إن الصيادين أحرار الآن بعد الاتصالات التى قامت بها الخارجية مع مالك السفينة ونجحت فى الإفراج عنهم وتحريرهم».
هذا ما قاله مساعد الوزير بالنص بعد دقائق معدودة من إعلان خبر تحرير الصيادين، إذن فلست أنا ولا البعض ولا «القلة المندسة» التى تهاجم الخارجية رغبة منها فى الهجوم على الدولة مَنْ قال ذلك وتعمد وأصر بشكل يثير الارتياب أن الخارجية تريد أن تنسب لنفسها شرف تحرير الصيادين، فمَنْ فعل هذا وبوضوح تام هو أحد قيادات هذه الوزارة، وهو بالأحرى مساعد الوزير المسؤول عن هذا الملف، بما يعنى أن حديثه فيه هو الحديث الرسمى المعبّر عن وزارة الخارجية وبالتالى عن الوزير نفسه.
ما يجب أن يفهمه حسام زكى إذن أن الخارجية «التى هى جهاز سياسى دبلوماسى ركيزته الكلمة»- حسب تعريف زكى نفسه- هى التى نسبت لنفسها ومنذ اللحظة الأولى فضل الإفراج عن الصيادين، وأعلنت ذلك على لسان مساعد الوزير فى اللحظات الأولى وبإصرار واضح، زاعمة أن جهودها واتصالاتها كانت سبباً فى الإفراج عن الصيادين، وتصريحات رزق موجودة فى صحف السبت ١٥ أغسطس إذا أراد زكى الرجوع إليها، كما أن لقاءه فى مؤتمر الشباب مسجَّل ومتوافر إذا أراد زكى أن يشاهد بعينيه أو يسمع بأذنيه.
يكفى أن يفهم زكى أن الخارجية ليست الدولة المصرية، ولا توجد وزارة أو مؤسسة مهما كان شأنها من حقها أن تدّعى أنها الدولة وأن انتقادها أو الهجوم عليها هو محاولة للنيل من الدولة، فما نفعله هو حرص منا على الدولة وعلى الخارجية.. وتفريق بالغ بين قدر هذه المؤسسة وأداء من يقومون عليها.
أما مسألة «التعمد الذى يثير الارتياب» وما على شاكلتها من المفردات التى تعتبر الآخر أو المغاير فى الرأى «مغرضاً» حتى يؤيد ما نقول، فهو خطاب لا يليق بمؤسسة دبلوماسية وظيفتها إدارة الحوار وتنميته، ويعكس إلى حد كبير عمق الأزمة التى تعانيها مؤسسة الدبلوماسية المصرية.
قبل غلق الملف مؤقتاً:
يتسلم السفير أحمد رزق مهام عمله كسفير لمصر فى العاصمة الصينية بكين الأربعاء المقبل على الأرجح.. وهذه ربما تكون بشرى غير سارة للمصريين فى الصين أو المترددين والمتعاملين مع هذا القطب الدولى الكبير.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق