الاثنين، 6 أبريل 2009

الأخطر من ليبرمان

أعرف أنك مثلى ومثل الملايين تعودت أن تجرفك العناوين الكبيرة وتدفعك لتبنى رؤاك وتتخذ مواقفك، اعتماداً على بؤر الضوء التى تسلطها أجهزة الإعلام على مناطق بعينها، لذلك ربما صدقت أن مفكراً وباحثاً مثل الدكتور سعد الدين إبراهيم كان سبباً مباشراً فى اقتطاع ٢٠٠ مليون دولار من المعونة الأمريكية لمصر، وتسير فى موقفك هذا خلف آلة إعلامية ذات تأثير تسير خلف ظواهر الأشياء دون أن تحاول النفاذ إلى عمقها لتستقصى الحقيقة.
نفس الشىء فعله الإعلام مع أفيجدور ليبرمان زعيم حزب «إسرائيل بيتنا» ووزير الخارجية الإسرائيلى الجديد. تحول الرجل إلى بعبع، وتمادت وسائل الإعلام المحلية فى إظهار عدائه لمصر وتضخيم تصريحاته المسيئة، والتخويف من وضعه الجديد فى الحكومة الإسرائيلية كوزير للخارجية.
لك أن تعرف أولاً أن ليبرمان ما هو إلا زعيم شعبوى، يبنى مواقفه الديماجوجية ــ مثله مثل كل الديماجوجيين العرب ــ على إلهاب مشاعر الجماهير التى تنساق غالباً وراء عواطفها دون إعمال للعقل وتستجيب لكل من يداعب مشاعرها القومية بخطابات حماسية مباشرة وتصعيدية، ربما لا تحمل من ورائها أى فكر سياسى أو أيديولوجية، وإنما خطابا يربح فى الشارع يتم استغلاله لتحقيق مكسب سياسى، تماماً كما تفعل بعض التنظيمات الدينية السياسية فى العالم العربى.
الأخطر من ليبرمان هم أولئك الذين يبنون أيديولوجيتهم الفكرية على العداء المباشر مع مصر، ويعملون فى صمت ودون ضجيج لخدمة مشروعهم السياسى، ومن بين هؤلاء دعنى أعرفك على يوفال شتاينتس وهو وزير «ليكودى» مهم فى الحكومة الإسرائيلية الجديدة تولى مؤخراً حقيبة المالية، وهى وزارة سيادية مهمة ومركزية فى إسرائيل.
شغل شتاينتس عدة مواقع فى الكنيست الإسرائيلى أبرزها رئاسة لجنة الدفاع والأمن القومى، والأخطر منها رئاسة وفد الكنيست فى لجنة الحوار الاستراتيجى مع الكونجرس الأمريكى.
نجح شتاينتس فى بناء شبكة علاقات واسعة مع أعضاء الكونجرس خاصة أولئك الذين يضمرون عداءً لمصر، وبدأب شديد تعود على أن يقدم تقارير معادية لمصر إلى أعضاء الكونجرس كان أخطرها تقريرا شرح فيه حالة المجتمع المصرى ومدى استفادته من المعونة الأمريكية، وقال فى تقريره إن ٣٠ عاماً من المعونات الأمريكية لمصر يذهب معظمها إلى الإنفاق العسكرى، وأضاف: إذا كانت مصر وقعت اتفاق سلام مع إسرائيل، ولا توجد تهديدات عسكرية مباشرة تواجهها من حدودها الغربية حيث ليبيا، أو الجنوبية حيث السودان، أو الشرقية حيث السعودية، فلمن تستعد بهذه القدرات العسكرية الفائقة؟ وأجاب شتاينتس على نفسه بقوله: إذا كان النظام يزعم وجود خطر هائل من الإسلاميين فلديه شرطة قوية جداً ويمكن مواصلة دعمها، لكن الإدارة الحاكمة فى مصر تغفل الجوانب التنموية التى تستهدفها فى الأصل المعونة الأمريكية حتى يشعر الشعب المصرى بثمار السلام وتحسن العلاقات مع أمريكا، وتركز على تعزيز قدراتها العسكرية، لذلك فهى تستحق حرمانها من هذه المعونة دون أن يكون فى ذلك أى نوع من العقاب للشعب المصرى.
نجح شتاينتس بالتعاون مع أصدقائه فى الكونجرس وعلى رأسهم السيناتور توم لانتوس فى تمرير مشروع القانون الذى أدى إلى خصم ٢٠٠ مليون دولار من المعونة الأمريكية لمصر، وهو إجراء تمهيدى ربما يلحق به المزيد بعد مشروع سيناتور نيويورك أنتونى وينر الذى يطالب بحظر تقديم أى مساعدات عسكرية لمصر، وتحويلها إلى مساعدات اقتصادية مباشرة ومشروطة.
لم يكن سعد الدين إبراهيم إذن السبب المباشر فى اقتطاع جزء من المعونة، ولن يكون سبباً فى المزيد، ولا يمكن أن يكون ليبرمان هو الأشد خطورة فى إسرائيل بخطابه الشعبوى الاستهلاكى، فى الوقت الذى يوجد فيه رجل مثل شتاينتس يعمل فى صمت وبأيديولوجية ثابتة وواعية ومؤثرة، ويحقق لإسرائيل أهدافاً غاية فى الأهمية فى صراعها الاستراتيجى مع مصر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق