الاثنين، 27 أبريل 2009

فرصة أنس الفقى الأخيرة

ماذا بعد الأنباء التى تسمعها حول مشروع أنس الفقى الجديد لإنشاء قناة إخبارية مصرية بمعايير «الجزيرة» و«العربية» تكون مؤهلة لمنافستهما، واستعادة زمام المبادرة، ومن ثم استعادة سمعة الإعلام المصرى؟
هل تعتقد أن الميزانية المفتوحة التى يتحدثون عنها، والتى تضمن للقناة تمويلاً خرافياً حتى ٢٠١٥، كافية لصنع قناة ناجحة ومؤثرة؟
هل ترى أن دعماً غير محدود من القيادة السياسية لهذه القناة سيكون مسألة إيجابية أم سلبية؟ وإلى أى مدى تعتقد أن استقطاب وجوه غير محسوبة على أحد وتتمتع بالاستقلال والمصداقية والمهنية يكفى؟
كل تلك أسئلة لا بد أن تحاول، ويحاول معك أنس الفقى ورجاله، الإجابة عنها، خاصة أن الأهداف المعلنة واحدة وتصب جميعها نحو استعادة مصر لدورها ومكانتها وهيبتها ونفوذها فى المنطقة.
المفترض مؤقتاً أن كل هذا يجعلك تستشعر أن هناك قلقاً حميداً فى ماسبيرو ورغبة، حقيقية فى اللحاق بركب الإعلام المؤثر، خاصة بعد أن انطرح ماسبيرو أرضاً خلال حرب غزة، ولحقت به هزيمة فادحة لا يستطيع الوزير إنكارها، ولولا دخول الإعلام السعودى «صحافة وتليفزيون» على خط الدفاع عن مصر لنجح الإعلام المناوئ لمصر بشكل كامل فى إزهاق سمعتها السياسية.
والظاهر مؤقتاً أيضاً أن الفقى يملك رغبة حقيقية فى التغيير والتطوير، ويستهدف استعادة مصداقية الإعلام المصرى، بسعيه إلى استقطاب وجوه إعلامية مصرية نجحت فى بناء شهرتها ومصداقيتها فى مؤسسات دولية وعربية مرموقة، لكنه فى الوقت نفسه لا يملك الإرادة السياسية الكاملة التى تلزم لنجاح ذلك، ولم يضع يده حتى الآن على السبب الحقيقى لهذا التراجع أو يعرفه ويتجاهله.
مشكلة أنس الفقى أنه لا يريد أن يعترف بأن مصداقية إعلامه تتراجع بسبب ارتباطه بالدولة، وفك هذا الارتباط بأى صيغة هو بداية الحل، فلن يكفى ضم أى إعلامى مصرى لحظيرة ماسبيرو إلا فى تحسين الشكل دون المضمون، ولا تنس أن أسامة الشيخ وعبداللطيف المناوى إعلاميان كبيران نجحا خارج ماسبيرو، وكانا قبل دخولهما ماسبيرو يصنفان على أنهما إعلاميان مستقلان، لكن لم ينجح إدخالهما فى استعادة أى مصداقية، وحرقتهما السياسات السائدة فى ماسبيرو، لتخلق منهما إعلاميين حكوميين بامتياز، كما لم تنجح استعانة التليفزيون بأسماء مثل د.عمرو عبدالسميع ومحمد صلاح ولميس الحديدى، وعبدالمنعم سعيد وغيرهم فى كسب الكثير، وما زال الناس ينظرون لهم على أنهم إعلاميون فى تليفزيون الدولة، الذى يديره وزير إعلام حكومة الحزب الوطنى.
لو كنت مكان أنس الفقى لقمت باستغلال هذه الرغبة السياسية فى تطوير الأداء الإعلامى، وجمعت عدداً من رجال الأعمال وسهلت لهم كل إجراءات إطلاق فضائية إخبارية تعبر عن مصر وتعكس مواقفها، وتمارس حريتها مثلما تفعل الصحف والقنوات وبرامج الـ»توك شو» الخاصة حالياً، وهذا هو وضع «الجزيرة» و»العربية»، وربما تكون تلك هى فرصة أنس الفقى الأخيرة لتحقيق ما يريد، أما أن يضيف قناة جديدة إلى عشرات القنوات فى ماسبيرو تظل مكبلة بقيود إدارية ورقابية فى أدائها وخطابها ومواقفها، وتظل مرتبطة بالدولة بما يضعف مصداقيتها، فسيبقى الفقى يدور فى حلقة مفرغة، ويدور حول نفسه ليصل فى كل مرة إلى نقطة الصفر.
يكفى أن أذكِّرك بقصة يرويها مذيع بارز لأحد برامج الهواء الشهيرة، الذى فوجئ بوزير الإعلام شخصياً معه على «الإير بيس» يُملى عليه الأسئلة التى ينبغى أن يوجهها للضيوف، وغيرها من الروايات التى تؤكد تدخله شخصياً فى إعداد البرامج الأساسية، أو على الأقل تلك التى يعرف أنها تحظى بنسبة مشاهدة عالية لدى القيادة السياسية.
إلى جانب ذلك، سأل الوزير إعلاميًا معروفًا ومستقلًا حين أعلن أمامه أن تدخل الدولة- ممثلة فيه- فى شؤون أى قناة يبقى العقبة الوحيدة أمام نجاحها: ألا تتدخل الجزيرة؟.. فرد الإعلامى: نعم تتدخل، لكنها قبل كل شىء تثق فى كوادرها فتضع لهم خطوطًا عريضة وتترك لهم حرية التصرف فى التفاصيل، وحرية اختيار الطريقة التى يدعمون بها هذه الخطوط العريضة دون أن تبدو المسألة وكأنها مجرد تكليف مباشر من مسؤول لموظفيه، ببساطة تتدخل ولكن «بشياكة».
ستنجح تلك القناة التى يتحدثون عنها عندما يمارس أنس الفقى دوره كوزير سياسى مهمته وضع سياسات عامة، ويترك «الإير بيس» لأهله و»الاسكريبت» لأصحابه، وتفسير وتنفيذ تلك السياسات العامة لاجتهادات الإعلاميين المحترفين الذين يحسن اختيارهم.
الأهم من كل هذا أن انطلاق تلك القناة سيجيب لنا عن سؤال جوهرى: هل يدعم أنس الفقى تلك القناة تحت تأثير إحساس حقيقى بالخطر، ومصارحة صادقة بالأزمة، ومن ثم رغبة حقيقية فى منح مصر ما تستحقه من إعلام، وما ينبغى لها من مكانة.. أم أن المسألة ليست أكثر من مشروع سياسى للاستهلاك المحلى، برؤية شخصانية تستهدف الاحتفاظ بالكرسى فحسب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق