لا تستطيع أن تلوم جماعة الإخوان المسلمين أنها قدمت مرشحا رئاسيا، إذا حسبت المسألة بالحقوق والقانون والدستور، ربما تجد لديك لوما أخلاقيا توجهه لهذه الجماعة التى تطرح نفسها فى إطار «قيمى» خاصة وأنت تجدها تتراجع عن خطوات سبق وطرحتها كمبادئ وأهداف قيمية عليا.
وبمنطق القانون والدستور أيضا لن تستطيع أن تلوم أحد جنرالات العسكر إذا ما سار خلف طموحه وقرر خوض انتخابات الرئاسة، هو أيضا مواطن مصرى له حقوق دستورية، ويمكن أن يستند فى التراجع عن الوعد المبادئى والأخلاقى الذى قطعه كل جنرالات المجلس العسكرى على أنفسهم، بتراجع الإخوان، فكما تغيرت المعطيات السياسية لدى الإخوان يمكن أن تتغير المعطيات السياسية لدى العسكر، وكما يغرق الإخوان فى أنفسهم وفقط ويخرجون للرأى العام بادعاء أنهم الأرشد فى هذا المجتمع والأقدر على التعبير عن مصالحه، لدى العسكر أدبياتهم تكاد تمنحهم التوكيل الحصرى للوطنية، وكما يتراجع الإخوان عن مبادئهم تحت ستار حماية الثورة، يستطيع العسكر التراجع تحت ستار حماية الوطن، وطالما نعيش فى زمن التراجعات والطنطنة الخطابية ما أكثر الشعارات التى يمكن صوغها، وكما استقال الشاطر وقال الإخوان إنه لن يكون له أى علاقة تنظيمية بالجماعة وحزبها بعد الترشح فى «خدعة» جديدة تذكرك بقولهم عن تأسيس حزبهم أنه لن يكون هناك ارتباط بينه وبين الجماعة، يستطيع أى جنرال فى الجيش أن يستقيل ويدعى أنه لم تعد له علاقات بالمؤسسة العسكرية وصار مواطنا مدنيا بامتياز ومن حقه خوض الانتخابات.
هذا ليس تحفيزا للجيش على قلب الطاولة لأن الطاولة انقلبت بالفعل، لكنه عودة إلى مرتكزين أساسيين قامت عليهما المرحلة الانتقالية منذ التفاهمات التى سبقت التنحى وحتى تلك التى أعقبت مغادرة مبارك حتى الانتخابات البرلمانية، وهما مرتكزان مسجلان وموثقان تماما، أولهما أن الجيش ليس طامعا فى السلطة وليس بديلا عن الشرعية، والثانى أن جماعة الإخوان المسلمين لن تقدم مرشحا رئاسيا وستشارك دون مغالبة فى كل ما دون ذلك، من يتصور غير ذلك فهو واهم، هذان مرتكزان أصيلان ومتساويان تماما فى الأثر السياسى، وعليهما تم بناء الإطار الأخلاقى للمرحلة الانتقالية لضمان عدم وقوع البلاد مجددا تحت سيطرة استبداد تنظيمى احتكارى جديد سواء لصالح مؤسسة عسكرية أو جماعة دينية تعبر عن شبكة مصالح جديدة تريد وراثة تلك القديمة، دافعة لصدارة المشهد برجل أعمال من النوع الثقيل الذى تتعدد إستثماراته ومصالحه.
انهار إذن أحد مرتكزات المرحلة الانتقالية، وما جرى من ترشيح للشاطر ومحاولة احتكار الدستور كان إعلانا لهذا الانهيار، وبقى المرتكز الثانى عند الجيش يقاوم الانهيار حتى هذه اللحظة، لكن مصالحه أيضا وقلقه وكثير من نوازع الوطنية والإيمان بالدولة المصرية مازالوا يراودونه عن نفسه.
ستقول لى إن سعى الإخوان للاحتكار مدعوم بالصندوق، وسأقول لك ومن قال إن الجنرالات عاجزون عن اللجوء للصندوق النزيه والفوز بالموقع الرفيع، ألا تتذكر تهديد الاستفتاء، وتعتقد أن قطاعات كبيرة من الشعب لديها انحياز فطرى للجيش وأى مرشح «عسكرى» ولديهم قناعة بأن هذه الفوضى سببها السياسيون و«تدليع العسكر لهم»، وأن حلها الوحيد فى «دكر» يخرج من رحم هذه المؤسسة.
إذا كنا لا ننازع الشاطر كمواطن حقه السياسى.. فلن نستطيع أن ننازع أى جنرال حقه السياسى كمواطن أيضا، وإذا كنت ترى فى ذلك إجهاضا للثورة، فاعلم أن الجماعة تتحمل النصيب الأكبر من هذه الجريمة، وتعود بالتاريخ 60 عاما للوراء.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق