يستحق تقرير لجنة تقصى الحقائق الصادر عن المجلس القومى لحقوق الإنسان حول أحداث ماسبيرو، أن تقف عنده طويلا، ليس فقط لأنه من ناحية لم يصل بنا إلى متهم رئيسى، وربما وازن الأمور ووزع الاتهامات بالتساوى على أطراف أربعة، هى الجيش والمتظاهرون والإعلام ولهو خفى متهم بإطلاق أول رصاصة وتأجيج الصراع، ولكن لأنه أيضا لم يعف قوات الجيش من المسئولية، وفى الوقت نفسه وضع أغلب العنف الذى صدر من المتظاهرين فى خانة رد الفعل وليس المبادرة بالفعل، ووضع السلطة أمام مسئولياتها فى العثور على هذه الأطراف المجهولة التى يقولون إنها أطلقت الرصاص.
لكن الأهم كذلك فى نتائج هذا التقرير هو التوصية بلجنة تحقيق مستقلة فى الأحداث، وإبعاد النيابة العسكرية عن هذه التحقيقات، وهو ذات ما ندعو إليه ويصدر اليوم عن لجنة قانونية وحقوقية ذات صفة وتمثيل شبه رسمى، فلا يمكن بعد كل هذه الاتهامات أن تقول إن قوات الشرطة العسكرية ليست طرفا فى القضية وبالتالى فخضوعها للتحقيقات أمام محقق مستقل دون إدانة مسبقة لأحد هو غاية العدل، وكذلك أنسب الوسائل لإبعاد الجيش كمؤسسة عن أية أخطاء فردية حدثت.
قطعا لجنة مجلس حقوق الإنسان، ليست جهة تحقيق رسمية، وبالتالى فقد افتقدت صلاحيات استدعاء الشهود أو الإطلاع على التقارير الرسمية، وحتى اللجان الفنية الخاصة بالبحث الجنائى وتحديد طبيعة المقذوفات ومصادرها، لكنها فى النهاية قامت بجهد فى تجميع الشهادات وتوثيقها.
لكن الأهم على الإطلاق من كل ذلك من وجهة نظرى لم يتضمنه التقرير حسب معلوماتى، وسمعته مساء أمس الأول من د.منى ذو الفقار رئيسة اللجنة التى أكدت أنها خاطبت وزارة الصحة للحصول على تقارير وفاة الضحايا لمعرفة الأسباب الأولية والمبدئية الظاهرة على الجثامين، فكان رد وزارة الصحة فى كل تقرير «أسباب الوفاة: تحدد بمعرفة النيابة».
هل تصدق أن الوزارة التى نأتمنها على صحتنا ومصيرنا إن ذهبنا فى حادث أو اعتداء وعلى رأسها وزير المفترض أنه محسوب على المعارضة الثورية التى جابهت مبارك، تتخلى عن وظيفتها الأساسية وتصمت عن الحق المجرد وتحيل دورها للنيابة العامة لتحدد أسباب الوفاة وكأن وكلاء النيابة أطباء ونحن لا نعرف.
هذه الملحوظة وحدها تستحق فتح تحقيق عاجل داخل وزارة الصحة، مع كل من رفض تحديد أسباب وفاة الضحايا وترك هذه المهمة للنيابة، لأن ذلك ليس فقط كتمان للشهادة بقدر ما هو إجرام مهنى جسيم، لا يثير فقط الشبهات لكنه يثير الحسرة على وقوعك بين أطباء «سباعيون» يزورون الموت وأطباء «صامتون» يضعون التقارير بيضاء ليضع كل محقق سبب الوفاة الذى يروق له ويتناسب مع نتائج تحقيقه، حتى الموتى لا ينصفون بحقائق موتهم ويحرمون من شهادات الوفاة كما حرموا من حق الحياة..!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق