الاثنين، 8 أكتوبر 2007

فتشوا عن «المــُـلا»

مثل أفلام رشدي أباظة التي يفاجئك فيها قرب النهاية بأنه ليس زعيم العصابة وإنما الرجل الثاني، وأن الزعيم الحقيقي هو أوضح شخصية إليك، وربما أكثر من شاهدته في الفيلم يتحدث عن الأخلاق والشرف، لن يخرج فيلم اصطياد الصحفيين عن هذه «التيمة» السينمائية التي ألفتها السينما المصرية وحفظتها وأتقنتها، وأعادت إنتاجها أكثر من مرة.
في البدء يحاول البعض إيهامك بأن الأحكام والدعاوي القضائية التي تطارد الصحفيين تأتي في إطار مصادفة قدرية وعبقرية من حيث التوقيت والأهداف، وأن خيوطها متباعدة ولا يربط بين قضية وأخري سوي أن بطلها محام يسعي إلي الشهرة.
وتأتي حالة «الطناش» التي تسيطر علي قيادات الحزب الوطني فيما يتعلق بهذه الأزمة، كمحاولة لدعم هذا السيناريو وترويجه.
لكن هل تصدق بالفعل أن أيدي الكبار في الحزب الوطني بريئة من دم حرية الصحافة، وأن «ميلشيا» المحامين التي تطارد الصحفيين تتحرك بمفردها، وبعشوائية أقرب للفوضي الخلاقة لتحقيق نتائج ــ هي للمصادفة أيضاً ــ تصب في مصلحة الحزب وقياداته علي كل المستويات؟!
ولأنك حفظت سيناريوهات السينما المصرية، فلابد أن تدرك الآن أن هؤلاء المحامين ما هم إلا زعامات وهمية، وأن هذا التنظيم التكفيري الجديد له قائد حقيقي، وأمير كامل الصلاحيات علي درجة «مُلا» ينسق ويخطط ويأمر بالتنفيذ من وراء ستار في مكتبه بمقر الأمانة العامة للحزب الوطني، وربما تظهر شخصية هذا «المُلا» في نهاية الفيلم، أو تبقي نهايته مفتوحة.
وتوقع الآن ــ حتي لا تذهب بك الصدمة ــ أن يكون هذا «المُلا» هو أكثر قيادات الحزب الحاكم حديثاً عن حرية الصحافة، وزعماً بالدفاع عنها.
ربما تسأل: وما الذي يجعل الحزب الوطني ــ وهو حزب حاكم يملك كل شيء ــ يضطر إلي التخفي وراء بضعة محامين مغمورين لتحقيق أهدافه الحقيقية في قصف أقلام، وإسكات أصوات تجاهر بمعارضته.
ولن تتطلب الإجابة سوي أن أذكرك بعام ٢٠٠٥ حيث استعرت مطالب الإصلاح ومظاهراته، في الوقت الذي كانت فيه ضغوط الخارج موازية لحراك الداخل، وأدت مواجهة قوات الأمن للمتظاهرين إلي انتهاكات بشعة سببت إحراجا دولياً للنظام، أدي إلي تغيير استراتيجيته في مواجهة المظاهرات عبر تشكيل «كتائب من البلطجية» تتولي عمليات قمع المتظاهرين بالإنابة عن قوات الأمن المركزي، وتبدو الشرطة خلال المعركة وقد التزمت الحياد.
ولما كانت الصحافة المستقلة والحزبية هي آخر ما تبقي من نتائج عام ٢٠٠٥ بعد خفوت حدة التظاهر، وتراجع حركة كفاية وانسحابها من الشارع، وإجهاد الإخوان بالضربات الأمنية، ورفع عصا «التأديب» في وجه القضاة، وفرض التعديلات الدستورية، كان لابد أن تتجه النية لإسكات الصحافة المزعجة، وبدأ بالفعل هذا المخطط بتمويل صحف حكومية وبرامج تليفزيونية شنت حملات تشهير وتلويث في حق رموز سياسية وصحفية مرموقة، وفي حق تجارب صحفية واعدة وتتمتع بشعبية ومصداقية كبيرة لدي الرأي العام، ولما فشل هذا المخطط بشكل ذريع كان لابد من حل بديل.
وجاء تشكيل «ميلشيا» المحامين كرد فعل مباشر لهذا الفشل وبالتشابه مع فكرة «كتائب البلطجية» التي شاركت الأمن في قمع المظاهرات، فتحركت كوادر هذه «الميلشيا» في أكثر من اتجاه عبر دعاوي «حسبة»، وطال تكفيرها كل الطيف الصحفي المعارض من أقصي اليمين إلي أقصي اليسار، في تأكيد علي إدمان الحزب الحاكم ثقافة الميلشيات، وإصراراً منه علي الاحتفاظ بتحالف الفساد والبلطجة، اللذين كان لهما أكبر الأثر في إنقاذه في الاختبارات النزيهة القليلة التي مر بها في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الأخيرة.
واليوم.. فعل الصحفيون كل شيء احتجبت ٢٢ صحيفة أمس، وتعددت أشكال الاحتجاج، وبدأت لجنة الحوار جهودها للتفاوض مع الدولة، بينما أحكام الحبس تتوالي وتضم أسماء جديدة، وفي نهاية الشهر تتواصل محاكمة الزميل إبراهيم عيسي، الأمر الذي يدفعك للسؤال: ما قيمة كل هذا الجهد، وما الجدوي من الحوار والتفاوض إذا كانت «الميلشيات» تواصل ممارسة عملياتها التكفيرية وضرباتها المركزة والمحددة بدقة واحتراف، بعيداً عن أي عشوائية أو مصادفة؟
والحل..؟
لا حل بغير التفاوض المباشر مع «المُلا» زعيم هذه «الميلشيات» ومحركها ورأسها المدبر، وصاحب قرارها الأول والأخير، ومكانه ليس مجهولاً، ومقر الحزب الوطني معروف للجميع، لأنه هو فقط من يملك أن يقول لهذه الميلشيات أن تنسحب وتعلق عملياتها التكفيرية لأنه هو من أصدر لهم أمر الاشتباك.
وإذا كان التعرف عليه صعباً، فلا أنصحك بانتظار نهاية الفيلم ــ لا تأمن غدر المخرجين ــ فقط فتش في كل الشخصيات التي تظهر أمامك في الأمانة العامة للحزب، وضع إصبعك علي أكثرهم حديثاً عن المبادئ والأمانة والشرف، وأكثرهم دفاعاً عن حرية الصحافة وأزهي عصور الديمقراطية، واعرف جيداً أن هذا هو «المُلا» صاحب العقد والحل الحقيقي، والباقين كلهم ليسوا سوي «سنيدة وكومبارس»!!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق