| بالقطع كان من المنطقي أن يتبادر إلي ذهني أسماء كثير من أصدقاء وزملاء الدراسة الذين تخرجوا معي في الجامعة قبل ٨ سنوات بمجرد سماعي هذا الخبر. والخبر هو قرار د. يسري الجمل وزير التربية والتعليم مد خدمة جميع من بلغ السن القانونية للمعاش في الأول من أكتوبر الجاري لمدة عام كامل. آلاف من المعلمين والإداريين والعمال في المدارس والمديريات وديوان عام الوزارة ممن بلغوا سن الستين في هذا التاريخ رأت وزارة التعليم أنهم يستحقون البقاء في وظائفهم والاستمرار في «مص» ميزانية الوزارة في صورة رواتب وحوافز ومكافآت «وكادر» طبعاً، بينما يستحق زملائي وآلاف غيرهم من خريجي كليات الآداب والتربية والعلوم وغيرها البقاء سنوات إضافية في سجن البطالة، أو في جحيم العمل في وظائف مهينة وقاسية ولا تتناسب مع مؤهلاتهم التي حصلوا عليها ليعملوا في التدريس، في الوقت الذي امتنعت فيه الوزارة عن توضيح أسباب هذا القرار وما هي أهمية «دفعة ١/١٠/٢٠٠٧ معاشات» بالتحديد لصالح العملية التعليمية. يكفي أن تعرف أن كثيراً من زملائي الذين تخرجوا معي في الجامعة من كليات وأقسام تؤهلهم للتدريس ومسك الطباشير بدلاً من الوقوف أمام التلاميذ يقفون في أماكن أخري ما بين عامل في محطة بنزين ومندوب مبيعات يعمل بالسخرة، وفرد أمن يقف لحراسة مدرسة خاصة كان من المفترض أن يكون مدرساً فيها أو في غيرها، أو «فواعلي» في مجال المقاولات يحمل الطوب والزلط علي كتفيه لتلبية نداءات الحاجة والعوز. كل هؤلاء حاصلون علي ليسانسات وبكالوريوسات من أقسام مختلفة في كليات الآداب والتربية والعلوم، رضوا بهذه المهن كبديل مؤقت هم وآلاف غيرهم عاطلون تماماً، وجميعهم ينتظر الفرج دون أن يعرفوا أن هناك في حكومة نظيف ووزارة يسري الجمل من لا يرحم ولا يترك لرحمة الله فرصة، ويصدر قراراً بالمد لمن وصلوا سن التقاعد في دولة تعاني من البطالة ومن نقص الموارد اللازمة لتمويل الوظائف. ألم يكن زميلي «فيصل» الذي تخرج معي في كلية الآداب قسم اللغة العربية قبل ٨ سنوات أحق بالدرجة التي كان من المفترض أن يخليها أحد هؤلاء «المعاشات» بدلاً من عمله في محطة بنزين، أو «بديع» الذي تخرج في كلية الآداب قسم جغرافيا ويطوف علي المحال والبيوت لبيع المنظفات، أو«سالم» الذي تخرج في كلية التربية الرياضية ويعمل فرد أمن، أو «فريد» الذي تخرج في كلية العلوم قسم كيمياء ويعمل «تباع» علي إحدي سيارات توزيع المياه الغازية. كل هؤلاء نماذج حقيقية من لحم ودم كانوا أحق من أصحاب المعاشات ومعهم الآلاف من العاطلين، وكان من الممكن أن تفتح هذه الدرجات الوظيفية التي كان من المفترض خلوها باباً جديداً للأمل أمامهم. قبل ١٢ عاماً تقريباً كنت أنا وصديقي محمد في انتظار بطاقات الترشيح في مكتب التنسيق بعد نجاحنا في الثانوية العامة، يومها جاءته البطاقة علي كلية الطب البيطري، وكان مجموعه أيضاً يؤهله لدخول كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وكلية العلوم، لكنه رفض الثلاث واتجه إلي كلية التربية حيث كانت عيناه علي كلية تساعده علي العمل بعد تخرجه مباشرة، في وقت كان معروفاً فيه أن كلية التربية «تكلف» خريجيها وتستوعبهم وزارة التعليم في مدارسها وبعد ٤ سنوات وتحديداً في عام ١٩٩٩ تخرجنا سوياً، أنا في كلية الآداب وهو في كلية التربية قسم رياضيات، لكن كان العام نفسه الذي قررت فيه الحكومة إلغاء تكليف كليات التربية لتطيح بأحلام محمد ومن معه في لحظة ودون سابق إنذار. كان خريج كلية التربية يجد وظيفة جاهزة فور تخرجه، هكذا كان العرف الذي يفترض بالدولة إذا ما أرادت تغييره أن تعلن ذلك وتبدأ تطبيقه علي طلاب في مرحلة الاختيار، حصلوا تواً علي الثانوية العامة، حتي لا تطيح بآمال طالب اختار كلية خصيصاً من أجل الوظيفة، وضحي من أجلها بكليات كان من الممكن أن تمنحه لقب «دكتور»، واطمأن لذلك عاماً واثنين وثلاثة وأربعة، وضاع كل شيء فور تخرجه. ٨ سنوات مرت علي تخرجه جرب خلالها كل شيء، مدارس خاصة تمنحه ١٢٠ جنيهاً شهرياً وحين يعترض يقول له صاحبها «إدي دروس خصوصية»، والمدارس الخاصة غير متوافرة حيث يقيم بإحدي القري في الغربية وتحتاج إلي سفر وغربة دون عائد. واليوم وبعد مرور ٨ سنوات علي تخرجه، يعمل الرجل مدرساً بالحصة يتقاضي ٣ جنيهات عن كل حصة، حسب الأوراق الرسمية تنتهي عند صرفها إلي ١٧٥ قرشاً وينتظر مستحقاته مرة كل ٣ أشهر، بينما تمد الحكومة للآلاف من أصحاب المعاشات في وظائفهم، في تناقض صارخ مع السياسات المعلنة، وكأنها أدمنت ثقافة المد «باليد» للمعونات والجباية، و«بالقرارات الإدارية».. للمحاسيب و«باللسان» للكذب علي الناس. رحم الله جدتي كانت تقول: «اللي أكل أكل من زمان.. واللي فرح فرح من زمان.. واللي نفد نفد من زمان، ربنا يعوض عليكم ويكون في عونكم ياولاد اليومين دول»! |
أنا مش تبع مخلوق يا سيدنا البيه - أنا حُر في إللي يقول ضميري عليه - وإن كنت تُحكم جوا ملكوتك - الشارع الواسع فاتح لي إيديه
الاثنين، 22 أكتوبر 2007
وزارة «المد» لصاحبها يسري الجمل
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق