| كنت صغيراً عندما مارست ابتزازاً طفولياً علي جدي رحمه الله ليأخذني معه لحضور جنازة عمدة قرية مجاورة، وأداء واجب العزاء فيه، كان جدي يتعجب من إلحاحي غير المسبوق، خاصة أنني كنت عادة ما أهرب من مثل هذه المناسبات حين تحدث في قريتنا، وربما داخل العائلة. لكن إلحاحي كان مبعثه شخصية المتوفي ذاتها، فقد كان أشهر عمدة في المركز كله، وكثيراً ما سمعت عنه الأساطير، التي كانت تروي في قريتنا عن سطوته ونفوذه، وثرائه وجبروته. كان جدي رحمه الله شيخاً أزهرياً، وكانت المشاركة في جنازة العمدة الأثقل علي قلبه طوال عمره، الذي كان قد تجاوز وقتها الخامسة والسبعين، فالرجل كان عنواناً للظلم والافتراء، وكان جدي مقتنعاً بذلك، وكان يفكر في أن يكتفي بالمشاركة في العزاء، وسماع «ربعين» قرآن في السرادق المهيب، الذي أعدته العائلة لفقيدها الكبير، لولا أنه فوجيء بوصية من العمدة بضرورة حضوره مراسم غُسل الجثمان لضمان خروج جنازته في إطار شرعي، ولم يستطع جدي سوي أن يستجيب للوصية. كان رحيل العمدة حدثاً مهماً داخل قريته، وكانت علامات الارتياح تسود وجوه الجميع، الذين تنفسوا الصعداء برحيله بعد ٢٥ عاماً قضاها جاثماً علي كرسي العمودية، وكان هذا الإحساس ظاهراً تماماً، خاصة في العائلات الأخري التي لا تمت لعائلة العمدة بعلاقة قرابة أو نسب، أو حتي شراكة تجارية، وكان هذا الإحساس المعادي للفقيد والذي يبدي ارتياحاً ــ دون شماتة ــ من رحيله مبرراً في ظل ما كنا نسمعه عن سيطرة الرجل، ونجله ـ الحالم بكرسي العمودية من بعده، علي كل القرية، وانتزاعه للصالح من أراضيها الزراعية لصالحه، وإطلاقه يد «الغفر» في كل شيء يروعون الناس، ويعاقبون المخالفين والمعارضين، ويساعدونه علي إجبار الفلاحين علي التوقيع علي عقود التنازل عن أراضيهم ومواشيهم مثل «عمدة» صلاح أبوسيف في «الزوجة الثانية». كان يسير وسط الحقول علي فرسه ليلهب بكرباجه ظهور البسطاء، معتمداً في ذلك علي دعم غير محدود من مأموري المركز المتعاقبين، ومن رؤسائهم في مديريات الأمن. كان جدي يعرف كل ذلك، وفي طريقنا من قريتنا إلي قرية العمدة كان يقول: إن الرجل الذي ألهب القرية بجبروته في حاجة الآن إلي الدعاء، ولا تجوز عليه إلا الرحمة. علمني جدي في هذا المشوار كيف أصلي الجنازة، قال لي: إن الناس اعتادت علي أن توجه دعمها المعنوي إلي أهل المتوفي، يقبلون علي العزاء، ويتجاهلون صلاة الجنازة، بينما يكون المتوفي نفسه هو أحوج ما يكون إلي هذا الدعم، وهو الدعم الذي يتحقق بالدعاء له والمشاركة في جنازته، مشيراً إلي أن السير في الجنازات يحقق مصلحة مشتركة للطرفين الحي والميت، يحصل الميت علي الدعاء ربما يعينه في الرحلة الأبدية ويخفف عنه، ويفوز الحي بحسنات ثابتة شرعاً. في دوار العمدة المهيب انتهت عملية الغسل، وخرج جدي من الغرفة دامعاً، وهو يحوقل ويبسمل ويتمتم: «سبحان الله لم ينل من كل هيلمانه سوي قطنة في الشرج» حمل الناس النعش إلي المسجد للصلاة عليه، مال علي رجل سني «الاسم الذي كنا نطلقه علي الملتحين وقتها» قال لي: هل المتوفي رجل أم امرأة؟! استوقفني السؤال، وبعد انتهاء الدفن والعودة إلي المنزل سألت جدي عن مغزي هذا السؤال، قال: عندما يموت المرء لا يهم لمن يصلي عليه الجنازة أن يعرف اسمه أو حتي وظيفته، وهل كان عظيماً أم وضيعاً، كل ما يهم أن يعرف هل هو رجل أم امرأة لتكتمل النية في صلاة الجنازة بالقول: نويت الصلاة علي من حضر من رجال المسلمين، أو نساء المسلمين، لكن الأمر ـ أضاف جدي ـ يمكن تجاوزه بقول: «نويت الصلاة علي من حضر من المسلمين» دون أي حاجة لمعرفة أي شيء عن المتوفي لا اسمه ولا نوعه ولا حسبه ونسبه. شغل هذا المشهد تفكيري لوقت طويل.. كيف يتحول العمدة بكل جبروته إلي مجرد رجل في نظر السني، وتصبح جنازته الأسطورية مجرد «جنازة رجل».. بعد أيام عرفت من جدي أن مديرية الأمن ألغت العمودية في أي قرية بها نقطة شرطة.. كان جدي يقول وهو يسبح ربه ويثني علي حكمته في التدبير متذكراً العمدة الراحل: «حتي أمله في توريث نجله العمودية ضاع».. صعد جدي ببصره إلي السماء وقال: «سبحان الله.. كل اللي أخده قطنة.. ومتر في متر تراب »! |
أنا مش تبع مخلوق يا سيدنا البيه - أنا حُر في إللي يقول ضميري عليه - وإن كنت تُحكم جوا ملكوتك - الشارع الواسع فاتح لي إيديه
الاثنين، 23 أبريل 2007
قطنة.. ومتر تراب
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق