الخميس، 24 أبريل 2014

الموت فى غير أوقات العمل الرسمية

 فعلتها.. فعلتها..
ليتنى الآن لم أكن جثة، ولو لدقيقة واحدة، حتى أهتف سعيداً بينكم، مزهواً أنى ربحت رهانى وجمعتكم، لأول مرة منذ سنوات طويلة.
أنتم الآن جميعاً لا ينقص منكم أحد. من المشارق والمغارب جئتم، وأنا فقط روح غادرت، وجسد تلتفون حوله بتأمل، وكأنكم لا تصدقون أن هذا الجسد الذى طالما توجّع يستريح الآن ويسترخى بعيداً عن آلامه.
نحيبكم المتفاوت أسمعه، ونهنهة الصامتين منكم المتظاهرين برباطة الجأش. أرى دموعا لا ترونها تنسدل برفق لتكوى القلوب.
لعلكم نادمون. بعضكم يحاول الآن أن يهون على نفسه بأعذار: تركناه وحيداً يواجه قدره، لكن كل منا كان يواجه قدراً أقسى وأبشع من مرض ينهش فى الجسد فيتمكن منه حتى يفنى.
أكل العيش أصعب، ومطاردة الأحلام كنداهة قريتنا، لا تمنح هذا «المندوه» الفرصة ليفكر فى شىء آخر. لم أغضب منكم قط.. حتى بكائى من إهمال البعض وعتابى، ليس لأنى أضن عليكم بالأحلام، أو لا أتفهم أن السعى وراء الرزق ــ فى وطن يعطى بالضالين- يكفى هماً وتحدياً. لكن كان الألم إذا ما اشتد، أستقوى عليه بسؤال صديق، وحكايات لا أملك إلا أن أتذكر منها ما يسعفنى.. وأضحك. يغرس هذا الوحش الأنياب بلحمى، وأنا أضحك. أسرح فى قصتنا يوم هدمنا مقام ولى القرية، حين تصدع مسجده، ووجدنا عروق الخشب ممدة داخل أغطية، وكان إمام المسجد يقنعنا أن الجسد الطاهر لولى الله قائم فى مقامه بين عطور وبخور، لم تأكله الأرض، أو يمسسه الدود. أغرق فى ضحك فاحش لما أتذكر كيف واجهنا الشيخ فأقنعنا أن الجسد الطاهر طار إلى السودان قبل الزلزال، ولذلك ضرب الزلزال المسجد حتى تصدع. وقبلنا هذا التفسير «حتى لا نكفُر».
***
لم ندخل سنوات التيه، إلا تلبية لنداء الحلم. شتتنا السعى. ضربنا كل مناكب هذى الأرض بحثاً عن لحظة قد تأتى يوماً، نتذكر فيها أيام الهم والقهر ونضحك. نلتف على «لبشة قصب» كالماضى، أو نُجهز على «نقلة بطيخ» صحراوى، نتعاطاه فوق سطوح خرسانى لم يكتمل، والبدر يراقبنا، فيما نطالع من أعلى، كل الدور الساكنة بليل، فى قرية كنا نستأثر بشوارعها والناس نيام.
حلمت بأيام مثل الأيام، الشاى المغلى، فوق عيدان الحطب، والذرة المشوى، و«دماغ الشفطة والقضمة».. يااااااا الله. وتلك الأحلام الطازجة تدور. كم كانت أعين تلمع وهى تصوغ المستقبل، ننهى ليلتنا وقد صرنا صحفيين ورجال صناعة، تجاراً، أعياناً، ونجوم ملاعب. ويدور الليل ويسلم رايته فنتفرق، كل منا يطارد حلمه، ونتواعد: من يعثر على عمل أولاً سيدفع فاتورة لحم الرأس فى مسمط أم حنة، ومن لا يحب لحم الرأس، فليكتفى ببهاء النظر إلى حنة: ضحكة حنة، مشية حنة، وانسجام حنة مع الأغانى القادمة من الكاسيت، الشفتان وهما تشددان على معانٍ بعينها فى كلمات الأغانى، جسدها وهو يغنى ويطرب الناظرين.
كنت أموت منذ اليوم الأول، حين عرفت ماهية هذا الوجع الكامن فى صدرى، قد يحتضر المرء لسنوات مثلى، لكن فى لحظة قبض الروح، كنت أفكر فيكم أيضاً. يمضى شريط العمر فى لحظات، يشغلنى عن وجع السكرات. هذه خبراتى بالوجع، وحين كنت أعاتب وألح، أبحث عنكم، أتشوق لكلمة عبر الهاتف. كنت أواجه بالذاكرة هذا الوحش. قد يأخذ الجسد ويعطل الرئتين، لكن لن يأخذ الذكرى ويعطل الذاكرة.
يأتينى الألم كطلقات لا تتوقف، تنفجر فى قلب الصدر ولا تقتل، وتعيد الكرة. أتمنى أحياناً أن تخرج روحى منتصرة تاركة هذا الجسد المهترئ بلا قيمة، لهذا الطامع فيه.
أتطلع لألاقى وجه كريم، أسأله باستعطاف: «إن كانت صفحة قدرى لم تُكتب فيها حروف شفاء، فخفف آلامى، لا تتركنى لهذا الوجع. أقسم أنى راض. لا أتحسر على عمر يُقطف فى ريعانه. أعلم أن الموت يشتهينى طازجاً، فلماذا يأخذنى مسحوقاً بطعم الكيماوى؟ أى طزاجة للحم منقوع فى مرق (الميتومايسين)»؟!
يأتينى الصوت الهاتف: «اصبر». وكيف أتشبث بالصبر؟ أبحث عنكم، أتلمس منكم أحضاناً عابرة، وبوحاً لا يكتمل باصطيادكم فرادى. ما أجمل بوحى فى الصحبة. أستقوى بأنفاسكم، بحكاياتكم، بسيرة كل منكم وهى تتردد فى الشارع أسفل نافذتى.
كنت أطمئن نفسى: غداً يجتمعون على قبرى، ويزول الوجع الوحش.. وأنال جزاء الصبر.. وأكون سعيداً.
* * *
لا تفهم قدرك إلا قرب نهايته، وأنا لم أفهم قدرى، إلا حين بدأت أنام جالساً، مثل تلميذ كسول ينام على «التختة».. سنوات وسنوات لم أفرد ظهرى فوق سرير، أفلا أفرح حين أنام اليوم ممدداً ككل الناس؟ حتى لو كان النوم فى ثلاجة موتى، على خشبة غُسل، أو فى نعش يتزين بالأغطية الخضراء الممهورة بكتابات التوحيد.
وأنا مثلكم فى البدء لم أرض بقدرى، لكن لم أتمرد. قد أسأل مرة بل مرات: لماذا أنا؟ لم أجد الأب الظهر، أنجبنى فى شيخوخته ومضى، لم يترك ميراثاً إلا عشرة إخوة، لم أفهم إلا وقت المحنة أن الرجل الصالح ترك ما يكفى من ميراث ويزيد.
ومثل كثير منكم، كنت أقول: لماذا تمطر السماء فوق سريرى؟ هل كل بيوت العالم مثقوبة؟ أم أن المطر كغيره لا يقسو إلا على الفقراء؟
الفقر يوسع أحلام بنيه، وأنا ابن الفقر، لكن أبداً ما اتسعت أحلامى أو انطلقت تعبث بالروح. منذ البدء تعايشت مع الفقر، أدركته وأدركنى، حاورته وحاورنى، تنصل من عرقلته كل الأحلام، حتى أبسطها، «كوتشى باتا» للعب الكرة فى الجرن الواسع. كان الناس جميعا يُجمعون على أنى «لعيب»، كنت الأغنى فى الملعب، نجم الجيل، أملأ بصياحى الجنبات، مسموع الكلمة، ليت العالم كان الملعب، وحظ الواحد فيه بقدر موهبته وجهده.
لكن الفقر تنصل وتنصل: «قدرك أفقر من أن يسمح بالحلم، وعمرك أقصر من شغله بطموح أبعد من أيامك».
فى البدء كنت أتوق لأكسر ذلك بالأحلام. فهمت حقيقة حظى، لكنى قاومت. فعلت اللازم وزيادة. حلمت وتمنيت ورجوت، ومشيت فى ألف طريق وطريق. حرثت الأمل بجد، وبقدر ما كنت أفتش عن حصاد فلا أجد ما يسد الرمق ويطمئن البال، كنت أتذكر أنكم خير حصاد، هكذا أؤمن. ما الضير إذا لم يدخر المرء شيئا غير حفنة أصدقاء؟ لماذا أنشغل بحلمى الممنوع، وأنتم حولى حلم مشروع؟
* * *
مثلكم كنت مهزوماً فى الحب، تأخرت عنكم فى هذا الركب مثلما تأخرت فى كل شىء: (العمل.. بناء دار بالطوب الأحمر.. والزواج).
لطالما جلست أسمع مغامراتكم، أتطلع بشغف لجرأة واحد، وانفلات ثان، وانكسار ثالث. جميعكم جئتم منكسرين فى نهاية المطاف، لكن ذلك لم يمنعنى من خوض غمار الحب، أن يأتى الحب متأخراً خير من ألا يأتى، لكن الانكسار فى الحب الذى يأتى متأخراً، ليس كمثله انكسار. لكنى أتعجب حتى الآن أن الواحد منكم، فيما يحركه جنون الحب، ويزخر قلبه بندوب فى كل الأركان، يتلبسه العقل ويغلفه النضج، ويفيض بنهر من رشد، حين يسدى لى نصيحة. يدعونى للعقل وما كان العقل حاضراً فى حكاياتكم.
أنسيتم؟.. من عشق بنت القسيس وتمادى، وتبادل عشقه لسنين، وهو يعلم أنه يحرق نفسه ويحرقها ويحرقنا جميعاً ـ تحسسوا آثار الحرق. من هام بمُدرسته، وتبادل معها مكاتيب العشق فى كراسات الدرس، حتى انكشف الأمر، وبات يُروى كمثال لمراهقة الطلبة. من خطف قبلة «سيما» من جارته الحسناء، ونال جزاء فوق الوجه، وفضيحة بين الأهل. من قرأ الشعر فى طابور الصباح وبدل فى الكلمات وفى الأسماء، وغازل فتاته أمام الناظر، حتى لفت الأنظار وكانت قصة. من صمد وفتاته فى وجه الفقر وصد الأهل لأعوام شتى حتى نالا من بعضهما زواجاً مغموساً بكفاح قائم حتى الآن.
أو كان العقل يحرككم حتى تدعونى للعقل. أُعيَّرُ بالفقر، وبيت الطين وسقف الحطب، وشهادة فوق الحائط لم تجلب عملاً أو أملاً. وبعض هدايا التقدير فى «الطاقة» (كأس رياضى، وشاح الطالب المثالى، مسابقة حفظ القرآن).. «بكام دول؟»، كنتم تتهكمون.
لم أحزن يوماً قدر ما حزنت هذا الوقت، لم أغضب ممن كنت أحب، وتركت حلمى عند باب العقل، أحزننى أن أشعر أن رفاقى يستكثرون علىّ الحب. لم أشعر يوماً فيكم شيئاً مثله. أتذكر كم كنا نتشارك رغيف العيش وبعض الجبن العائم فى طبق المش، والنوم شتاءً على ظهر الفرن البلدى. نتشارك أعمالاً (جمع العنب، مطاردة لطعات القطن، حمل الطوب الأحمر فوق الأسقف الخرسانية، تنظيف مزارع الدواجن)، نضع اليومية فوق اليومية، نشترى ملابس الجامعة بالتقسيط، كل منا قميصاً، لا نشترى ألواناً متشابهات حتى نتبادلها ويُخيل لفتاة الواحد منكم أنه يملك سبعة قمصان!
كانت أياماً.. حين مررنا «الموسى» على ذقوننا غير المشعرة بعد، لأن أحدكم قال إن كثرة فعل ذلك سيعجل بظهور الذقن والشارب بغزارة.. يا لها من نصيحة بائسة ندفع ثمنها الآن. حين اشترينا بضع سجائر «فرط» وتعلمنا التدخين على الزراعية فى الطريق للمدرسة، وكل منا يسخر من رفيقه «شد وخد على صدرك يا واد». حين داعبنا الجسد اللغز فانطلق السائل للمرة الأولى كقنبلة تنفجر فى الوعى، ومشاعرنا المتضاربة ما بين الدهشة واللذة، والندم والاستغفار. حين شعرنا أننا رجال جاهزون لأى اختبار عابر لرجولتنا، وسعينا للتجريب. حين تشاجرنا ونهشنا مجلة يظهر فيها ما كان مخفياً عنا. حين ربحنا وخسرنا، فكرنا وحلمنا، نجحنا ورسبنا، أخطأنا وندمنا، صلينا وفرحنا وبكينا، وتطلعنا للمستقبل أن يبقى يجمعنا.
أوكنتم تستكثرون علىّ الحب صحيح؟ أنا لا أعرف إلا إحساسى فى تلك اللحظة، لكن للحق بعد سنين فكرت، كان نصل الحقنة يخترق اللحم، ليصب فى أوردة الدم جرعات الكيماوى الفاتكة. وأنا أنشغل بغير الألم وأسأل: هل كان الأوغاد يدركون مصيرى؟ يعرفون أنى سأقضى ما بقى من العمر مقيداً فوق سرير لا أملك حلم النوم عليه؟ وأن الكيماوى سيأكل شعرى، فلا أعرف نفسى فى المرآة، ولا يعرفنى غيرى؟
الأرجح أن نبوءتكم صدقت. ليست معجزة، فأنا وقدرى وتاريخى كتب مفتوحة، وأنتم تعرفون تفاصيلاً أخرى. يقينى أنكم حاولتم اختصار ألم ما، توفير الألم فى هذه الحالة يجدى أكثر. لكن من يدرى، إن كنت عشت الحب فأسعدنى وآلمنى، كنت وجدت الآن بعض الذكرى لتسعفنى، وبعض الجرأة لأقول إنى عشت يوماً حلواً.
قطعاً أثق فى إخلاصكم، ومشاعركم، أعرف أن القصة ما كانت تحمل أى عوامل كى تنجح، أو تتضمن أياماً حلوة، حتى لو نلت الدعم الواضح منكم. لكنها كانت أمنية، لم تمنحنى الأيام الفرصة للتنقيب عليها فى تجربة أخرى. أثق أن العمر يتضاعف بالعشق. ثوان بين يدى امرأة تعشقك بسنين مما يحمل تقويم الزمن، وثوان فى حضن امرأة تعشقها بالعمر. وأنا يعز على أن أغادر دون سقوط فى العشق، دون امرأة أتركها تتداول من سيرتى فصولاً وتَبكينى، أو تلعننى. وتفرح حين تتذكرنى وإياها نضحك فى مرح العشاق.
لا أيام حلوة إلا معكم. تلك حقيقة لم يعرفها أحد منكم غيرى، ربما نسيتم حين غزوتم بقاع الوطن بحثاً عن أحلام مشروعة، فتلاهيتم فى المستقبل، أنى هناك فى ذات المنزل بنفس القرية، أطاوع قدرى. وأفهم أن الواحد منكم يملك فى مخزونه أياماً فوق الأيام، تجارب، ومصاعب، وحكايات لا أملك فيها دوراً كالماضى. قد تجدون العذر لإلحاحى وعتابى، فزمانى توقف وأنا فى صحبتكم، أحلامى صارت أحلام الواحد منكم، ونجاحى بات نجاح الناجح منكم، لكن الغربة تركت فى البعض ملامح من قسوة وصلابة. لم أرغب أن أسرق أياً منكم من حلمه، لكنى تمنيت مساحة تتضاءل لكن لا تتلاشى.
* * *

قبل ساعات علمت أنى مغادر، كان المخدر يجرى فى الدم وأغيب وأنا أعرف أنه الغياب الأخير، قبل سنوات كان الصدر يئن، والوجع يدق على قفصه وكأنه محبوس يسعى ليحطم أسواره، ما كنت أظن أنه يرغب فى الحرية ليس ليغادر جسدى، لكن ليغزو مناطق أخرى. يستوطن فى استباحة حتى يحتل الجسد برمته.
أدهشكم الخبر فى البدء، لكن لم يدهشنى حين عرفت أن وحشاً كامناً بين الرئتين وليس مجرد «خُراج» كما تمنيتم. لم يأت اليقين بغتة، أو فى سياق قدرى غير منسجم. انكسرت قلوبكم لوقت وإن ادعيتم الشجاعة، تحمستم، التففتم حولى. أذكر يوم أول تحليل. أول مرة تدخل إبرة لتحدث ثغرة فى عظمة «عصعوصى»، لتنفذ لنخاع عمودى الفقرى وتسحب سائل روحى، وأنتم حولى. أول جرعة كيماوى. غرفة العناية لما فتحت العينين لأراكم حليقى الرأس. تَشبَهتُم بى بإرادتكم، وأنا روحى تُشبِهكُم. ليدب الوجع كما شاء مادام حولك أصدقاء.
كان الوقت يمر فلا يَنفذُ سر، ولا يأتى شفاء.. معذورون، أتفهم ذلك. يمكن للمرء أن يدعم أحداً مرة، شهراً، عاماً، لكن أن تمضى الأعوام وتموت واحداً خلف الآخر، وأنا أتطلع لوتيرة دعم ثابتة لا تتضاءل أو تخفت حتى لو مرت سبع سنين، فأنا المشغول بحلم صعب كالعادة.
لست أنانياً.. لم أرغب فيكم حولى لأساعد نفسى فحسب، لكنى تمنيت أن أجمعكم ثم أغادر وأترككم معا كسيرتنا الأولى. لم تبعدكم سنوات الغربة والتيه عنى فحسب، بل عن بعضكم البعض. عن نفسى كنت أقتنص الواحد منكم، أغرق معه فى بوح يشفى الروح، لكن لصحبتنا طعم آخر يا «ولاد الـ...»، للبوح الجماعى سحر خاص لا يدركه إلا صحبة مخلصة كصحبتنا.
* * *
الآن أمدد فى ثلاجة موتى، وأنتم تبكون فى الخارج. كل منكم بلغ فى طريق الحلم مدى، لكنكم لستم سعداء، لم تجدوا فى الأحلام سعادة كما خططتم، لكنى الآن سعيد جدا. أنتم مجتمعون على حزن حولى، لكن ما الضير؟ إذا كان الحزن فحسب بات القادر أن يجمعنا! أسمع هذا يُحدث نفسه، يطلب منى أن أسامحه، يعتذر لرفاقه، تتجالسون فى حديقة المستشفى، تفترشون الأرض كما كنتم من قبل، وهذه المرة بعدما صرتم «بهوات»، تتذكرون الأيام الأولى. تضحكون على استحياء خشية لفت الأنظار لرجال يتضاحكون وعندهم فى الثلاجة جثة. تنفلت الضحكة كالماضى، لا تكترثون بمن ينظر أو يستهجن. وتسألون لىّ الرحمة، وأنا أتمنى لو قلت لكل منكم إنى راض عنه.
ترتبون كل شىء بالتليفون. سيارة نقل الموتى. لحاد القرية يفتح قبرى ويعد العدة لاستقبالى. إمام الجامع يعلن موتى فى ميكروفون المسجد فيلتف الناس عند المنزل فى حزن. نساء الأسرة ينتحبن وكأنهن ما دعين الله أن يرحمنى من وجعى. «زحافة» جرار العمدة تسوى الأرض أمام المنزل، وطريقى من المنزل للمسجد، وطريقى من المسجد للقبر. لم يبق إلا تصريح الدفن ليتحرك موكب عرسى محاطاً بالصحبة. اليوم عطلة. وفى غير أوقات العمل الرسمية، لا يوجد مفتش صحة لكتابة تصريح الدفن.
تبحثون عن حل دون جدوى. مكتب الصحة مغلق، ومفتش الصحة النوبتجى زاغ كعادته وأغلق هاتفه. تثورون وتتوعدون. بم يفيد الوعيد.. هل سيحل الأزمة خصم من أجر موظف؟
تبيتون الليلة بجوارى فى المستشفى. خططى تثمر أكثر مما أتمنى. اخترت اليوم لأجرى جراحة أعلم أنى سأشفى بعدها من هذا الجسد العبء، أتركه للوحش وأفلت بالروح. استهدفت يوم العطلة، ليس لأنى أعلم أن تصاريح الدفن لا تخرج أيام العطلات إلا مصادفة، وليس لأنى رشوت النوبتجى ليتبخر. هو أكثر يوم يلائم تجمعكم. ما كان النفع لو مت يوم عمل رسمى، وتسلمت تصريح الدفن والروح تغادر، وكل منكم فى مدينة منشغل عنى. الموت فى غير أوقات العمل الرسمية أجدى وأنفع.
إكرام الميت دفنه، وأنا إكرامى فى بعض التأخير. ها أنتم تلتفون حولى، وتبيتون الليلة معاً. وصباح الغد أعود إلى القرية، مزهواً بالعزوة، أمضى لقبرى محمولاً على أكتاف خير رفاق.. وأنام قرير العين.
أحمد الصاوى





* نشرت فى العدد الأسبوعى لجريدة التحرير 24 - أبريل 2014

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق