الأغبياء يشتمونك بالحقيقة
لكن الغباء الأكبر أن تغضب.
كان مدرس الفصل ينهرنى :"افهم يا بنى
آدم". أغضب وأعود للمنزل متكدراً
لكننى سرعان ما أسأل نفسى هل أنا حزين لأنه
يقول لى: افهم أم يقول: يا بنى آدم!
الحقيقة أنه لم يقل شيئاً خطأ، فقد كنت
ومازلت فى حاجة متزايدة أن أفهم، والحقيقة أننى بنى آدم.
عندما كنت أقول لأمى : المدرس شتمنى
أنقل لها ما قاله، فترد فى تعجب: "فين
الشتيمة"؟
لماذا تدربت مثلك أن أفهم كلمة بنى آدم كونها
شتيمة، هل من المعقول إننا لا نفهم اللغة إلى هذه الدرجة، ولا نعرف حقيقة الألفاظ ومدلولاتها، أم أن أى كلمة تقر
واقعاً وحقيقة مسلم بها، ولا تمثل فى حد ذاتها إساءة إلا حين تربطها بأداء غاضب أو
عدوانى أو تفسير للنوايا فتتحول إلى شتيمة فى ذهن من يتلقاها.
أنت بنى آدم
لكن الضابط فى قسم الشرطة يقولها لك بصوت
جهورى متغطرس، والمدرس يلومك بها وكأنها ترجمة لفشلك.
ما الذى تمنحه هذه الكلمة من إحساس بالإنتصار
والتشفى لقائلها؟ ولماذا تنال ممن يتلقاها وكأنه أصيب فى أعز ما يملك؟
غبى يقول الحقيقة ويقر الواقع وكأنه شتيمة،
وغبى يستقبل كل ذلك بحزن بعد أن أقنعه أداء الآخر أنها شتيمة، ومجتمع أغبى وأغبى
استقر فى وجدانه ما يرسخ ذلك فصدره للأجيال جيلاً بعد جيل.
أنت بنى آدم.
..وإضافة لكونك بنى آدم أنت "إبن مره".
أراك غاضب وترد على بعنف:
- أهو أنت واللى جابوك
والحقيقة أننى أيضاً "ابن مره واللى
جابونى وجابوك كذلك أولاد مره".
لماذا أنت مندهش وغاضب وحانق وشاعر بجرح فى
كرامتك وكأن أحداً انتهك عرضك؟
لماذا يشتمك الأغبياء بالحقيقة وتحزن أنت لأنهم
قالوا الحقيقة؟
لماذا يشتمك شخص هو أيضاً "ابن مره"
وينسب لك ما هو أصلاً فيك وفيه وفى الجميع، ولماذا تشعر بالعار إلى هذه الدرجة أنك
"ابن مره"؟
هل أنت استثناء فى هذا العالم، وكأنك الوحيد
الذى جاء للدنيا من بطن إمرأة وعليك أن تدفن عارك فى داخلك، وأن تتوارى خجلاً
بفضيحتك؟
لماذا يعتقد من يعتقد أنه يشتمك حين يقول لك
إنك "ابن مره"، أنك لست مثله وكأنه خرج من عجينة طين آدم مباشرة؟
هل رأيت غباء أكثر من ذلك؟
رجل ينهر حماره فيضربه على
مؤخرته وهو يعتقد أنه يسبه قيقول له :"شى يا حمار"؟
ويقذف كلباً بحجر وهو يعتقد أنه
يشتمه بعنف : "امشى يا كلب يا بن الكلب"؟.
قطعاً الحمار لن ينزعج إذا ما قلت له يا حمار
يابن الحمار يا سليل الحمير لأن هذه حقيقة ربما أنت فقط الذى لا تدركها فيما
يدركها الحمار.
الأرجح أن الحمار سينزعج ويغضب إذا قلت له
:"يا بنى آدم"، وهذا حقه قطعاً، لابد أن تعرف إنه إذا كنت مقتنعاً أن
الخالق كرمك بكونك إنسان، فكل مخلوق مقتنع أن ما عليه هو تكريم أيضاً بما فيهم
الحماااااار.
هل هذا غباء؟.
المؤكد أنك تدرك أنك "ابن مره"،
وأن الآخرين كذلك، لكنك لا تتورع أن تشتم الآخرين بذلك وتغضب حين يُرد لك الهجوم.
يحدثك الباحثون والأكاديميون والإعلاميون
والنشطاء عن العنف الممنهج ضد المرأة، تقارير أمامك عن حالات التحرش والانتهاك
والإغتصاب، لكن لا أحد فى حدود قراءاتى التافهة رصد استخدام اسم المرأة المجرد
كشتيمة مسجلة يعتقد من يقولها أنه ينتقص ممن يهاجمه بها، ويعتقد من يُشتم بها أنها
تنتقص منه، وأنه يُعير لكونه "ابن مره"!!
ربما كان مفهوماً لو شتمك أحدهم فنسب لأمك ما
يشين، كأن يقول لك أنك "ابن مره وسخه" على سبيل المثال، لكن لفظياً وهذا
هو الظاهر دون خوض فى النوايا والتأويلات، كيف تكون كلمة "مره" الدالة
على المرأة فى حد ذاتها شتيمة، فى مجتمع يقول إنه يحترم المرأة ويقدرها وهو مجتمع
"متدين بالفطرة" وأديانه تلزمه باحترام المرأة والإقساط إليها.
كيف يضغط عليك مجتمع المفترض أنه رباك على أن
"الجنة تحت أقدام الأمهات" "وقال أمك ثم أمك ثم أمك"، حتى
تشعر أن أمك عبء وعار تُعير به؟
فإذا لم يقل لك أحدهم يا "ابن المره"..
شتمك بموضع العفة فى جسد الست والدتك، هكذا أيضاً مجرداً من أى إضافة.
رجل غبى ابن "مره" لها فرج خرج منه
إلى الحياه، يشتمك بأنك "ابن مره" وحين لا يعجبه حديثك أو سلوكك أو شكلك
يقول لك "تيييت أمك"، وكأن أمه "ملهاش تيييت".
الغريب أن المسألة إذا كان الهدف منها ايقاع
أكبر أذى نفسى بعرض الشخص الذى تشتمه، فكان من الممكن أن يكون السباب المرتبط بفرج
المرأة فيه قدر من التنويع حتى ينال نساء أسرتك كلهم، فمره تسمع من يقول لك
"تييت أختك" أو "تييت بنتك" أو تييت زوجتك"، لكن مجتمعنا
المتدين بالفطرة الذى يحترم المرأة وأعظم أدوارها كأم لا يشتم إلا بـ"تييت
الأم"!!
لفظياً.. هو لا يرمى أمك بسوء، لا يتحدث عن
سلوكها ولا يقول لك إنه مشيها ــ لا مؤاخذه ــ بطال، هو فقط يؤكد إن لها فرجاً.
ما كل هذه المفاجآت التى تدهشك وتغضبك وكأنك
تكتشفها لأول مره أو تعرفها وتظن أن الآخرين لا يعرفونها فتحاول إخفائها.. أنت "ابن
مره" وأمك لها "فرج"!!
يا لعارك
يا مسكين
كيف تعيش إذن وسط هؤلاء الذين لم تلدهم
"مره"، ولم يخرجوا من فرجها إلى الحياه؟
أنا لا أسخر منك لكن كل شىء ساخر حولك..
لماذا تدهشك الحقائق ويغضبك الواقع وتنظر
حولك فتجد الشتيمة الرسمية الدارجة على الألسن فى مجتمعك، تقر ما سبق ودرسته فى
علم الأحياء فى سنة 3 إعدادى حين كانت الأبلة تعتذر عن شرح الحصة وتستنجد بزميلها،
أن لكل أنثى إنسان فرج، وأمك أنثى.
من لم تلده "مره" فليقل لك يا "ابن
المره".. ومن كانت أمه بلا "فرج" فليسبك بـ"فرج أمك".
هل هذا غباء؟
قطعاً لا.. هذه ثقافة يا عزيزى
هذا مجتمع كما قلت لك يمارس تحقير ممنهج ضد
المرأة، بينما يركن على أرفف الديكور آلاف العبارات والأدبيات والمحفوظات والآيات
والأحاديث والأقوال المأثورة التى ترفع قدرها وتُعظم شأنها، يتحرك بممارسات تكرس
التحقير والإزدراء، من أول الإحتفاء بنصوص تنال من عقلها ودينها ورشدها، إلى ترسيخ
نظرية "المتاع" فى أذهان الأجيال، فتتحول من إنسان إلى شىء، وتصبح بفعل
استهدافها فى النص والسلوك وحتى السباب الإجتماعى الدارج إلى ترجمة غير مباشرة
لمعنى العار.
وعندما تكون المرأة "عار محتمل"
يصبح اخفاؤها واجباً، و"سترها" المبكر حقاً، وانزوائها احتراماً،
وخروجها سفوراً، وانتهاكها إذا خرجت مباحاً.
تعتقد الأحزاب أن النهضة فى شكل المرأة
وردائها وزواجها المبكر وختانها، وتعتقد المنابر أن العورة فى صوتها، والفتنة فى
وجهها، والنار فى قربها، وجهنم خُلقت من أجلها.. لذلك لا إصلاح إلا بعد إخراسها
وإخفائها، وكسب الحسنات فى التمتع الحلال بها، حتى يكون الظفر بغيرها من الحور
العين.
هؤلاء الذين يفكرون بأعضائهم التناسلية
ولأعضائهم التناسلية.. وهؤلاء الذين يستهدفون الأعضاء التناسلية باللفظ والفعل،
يستاؤون من إمرأة تحرر عقلها من أسر عار افتراضى لأنها أنثى، تكسر حواجز الخوف، لا
تعتقد أن جسدها عبء، ولا تكترث بمن يحملها وزر الفتنة ولا يُحمل المفتونين وزر عدم
غض البصر، لاتخاف من صوتها وتتركه يخرج منادياً بالعيش والحرية والكرامة
الإنسانية، لا تنزوى خجلاً وخوفاً من لومها رغم أنها الضحية، تطارد المتحرش وتقطع
يده و"........." ثم تزهو بانتصارها، بينما هناك من يلوم فًجرها
وتجرؤها، تحارب ثقافة "ايه اللى وداها هناك؟" بالتواجد فى كل هناك.
هذه المرة أنت بالفعل مندهش
لأن هذه المرأة ليست النموذج الذى كرسته
النصوص والمنابر وتلقين السيدات الكبار اللاتى تربين فى كنف رجال تربوا وسط هذه
النصوص والمنابر.
هذه هى المرأة التى صنعت الثورة
وضعت يدها على أول مفاتيح الإصلاح
وأول خطوة فى طريق المستقبل.
هذه إمرأة لن يٌسب لها ولد بفرج أمه، لأنه لن
يراه سبة فى ذاته، وسيتساوى عنده من يقول: فرج أمك، بأنف أمك، بصدغ أمك.. ولن
يٌعير لها ولد بأنه "ابن مره"، لأنه سيقبل ذلك بفخر.
إمرأة حره تعنى أجيالاً حره ومستقبلاً حراً..
ووطناً حرا، هذا هو النموذج الطبيعى للمرأة..
الطبيعى.. لماذا لا يفهم ذلك "ولاد
المره"..؟!
أحمد الصاوى
أبدعت يا أستاذ أحمد
ردحذف