الاثنين، 19 يناير 2009

قال مبارك.. ولم يقل

تابعت مثلك الخطاب المفصل للرئيس مبارك، الذى توجه به إلى الأمة بعد ساعات من انتهاء اجتماع الدوحة، وقبل ساعات من انعقاد قمة الكويت، ومثل كثيرين لم يلب الخطاب طموحاتى فى إيضاح موقف مصر من الحرب على غزة.
أولاً: كرس الخطاب جهوده فى محاولة نفى «تهمة التواطؤ» ـ التى لابد أن نعترف أن الآلة الإعلامية المناوئة للدور المصرى نجحت فى ترسيخ هذا الاتهام وتسويقه وترويجه فى الشارع المصرى قبل الشوارع والدوائر العربية ــ وذلك بتبنى لهجة أكثر تشدداً فى سياق الحديث عن إسرائيل وتحميلها المسؤولية الكاملة عما يجرى فى غزة من مجازر، إلى جانب حديث مباشر يستدعى من التاريخ ما تيسر حول حجم ما قدمته مصر للقضية الفلسطينية منذ عام ٤٨ وحتى الآن.
ثانياً: حافظ الخطاب على عدة ثوابت فى السياسة المصرية بتأكيده رفض نشر أى جنود أو مراقبين أجانب فى الجانب المصرى من الحدود، إلى جانب تأكيد الدعم لنهج السلام العادل دون إغفال لحق الشعوب فى مقاومة الاحتلال.
ثالثاً: حاول الخطاب الرد على الدعاية المضادة لمصر بهجوم جاء «على استحياء»، مركزاً على رفض مصر المشاركة فى مزيد من الاجتماعات التى لا ناتج من ورائها إلا مزيداً من الشعارات وأحاديث الشجب والإدانة.
لكن الخطاب الرئاسى حرص على ترديد أنصاف العبارات، والتمسك بأنصاف المواقف، وطرح أنصاف الحقائق، وكان فى كل عنصر من عناصر الخطاب حريصاً على أن يقول ولا يقول، يتحرك على هامش الأشياء، ويوزع رسالاته تلميحاً دون تصريح، ويغفل من الحقائق ما يمكن أن يحسم كثيراً من الجدل فى إطار الحرص على مواءمات يترجمها القول المأثور:«ليس كل ما يُعرف يُقال».
لم يقل الرئيس مبارك صراحة إنه شخصياً - كمقاتل فى صفوف الجيش المصرى قبل أن يرأس الدولة - قدم للقضية أكثر مما قدم زعماء «الممانعة» مجتمعين، وكان يكفيه أن يعرض سجله العسكرى أو سجل ضابط واحد من ضباط المخابرات المصرية الذين يديرون المفاوضات بين حماس وتل أبيب حالياً، وتلاحقهم بين حين وآخر اتهامات بتبنى أجندة الاحتلال.
لم يقل الرئيس مبارك صراحة إن الحصار الذى ضربته إسرائيل على قطاع غزة، الذى تتهم مصر بالمشاركة فيه، كان سينجح فى خنق القطاع تماماً لولا التساهل المصرى فى قضية الأنفاق، وغضها الطرف ــ إن شئت ـ عن خريطة متكاملة من الأنفاق مثلت طوال فترة الحصار شريان الحياة الوحيد لقطاع غزة، وإن غلق هذه الأنفاق بشكل نهائى ليس أمراً مستحيلاً بالنسبة لمصر.
كنت أتمنى أن يتيح الرئيس مبارك محاضر الاجتماعات التفاوضية بين الجانب المصرى وقادة حماس، لنعرف الحقيقة التى يرددها هؤلاء فى السر، لكنهم يتحولون عنها أمام ميكروفونات الخطابة وفضائيات الجهاد، كنت أتمنى أن نرى محاضر موثقة تؤكد منذ متى تحذر مصر حماس من حرب إسرائيلية، وما طبيعة ردود أفعالهم وحقيقة حساباتهم فى ذلك الوقت.
كنت أتمنى من الرئيس مبارك أن يشرح لملايين المصريين ــ الذين تسيئهم ليل نهار الاتهامات الموجهة لبلادهم بالتواطؤ ــ حقيقة الموقف بتفاصيل لا تخضع لمعايير السياسة والدبلوماسية التى تسمح بإخفاء قدر من الحقائق والتفاصيل، وأن يفند مواقف الآخرين الذين يدعون «شرفاً سياسياً دون قرار، وصموداً بطولياً دون مواجهة».
كنت أتمنى أن يشرح لنا الرئيس مبارك، بما هو متوافر عنده من معلومات موثقة، حقيقة التحالف الأمريكى - الإيرانى فى العراق، وطبيعة الاتصالات القطرية الإسرائيلية غير المعلنة.
كنت أتمنى أن يسأل القطريين سؤالاً: لماذا تزور تسيبى ليفنى القاهرة فتنقل وسائل الإعلام المصرية والعربية والدولية تفاصيل الزيارة، ولماذا حين تلتقى ليفنى أمير قطر لا يعرف العرب شيئاً عن اللقاء إلا من وسائل الإعلام الإسرائيلية؟
كنت أتمنى أن يستغرق الرئيس مبارك وقتاً فى تحليل الحوار الأخير للرئيس السورى بشار الأسد لـ «بى بى سى»، الذى أيد فيه وقف إطلاق الصواريخ على إسرائيل ووقف تهريب الأسلحة إلى غزة فى مقابل رفع الحصار وفتح المعابر، وأن يتساءل عن الفارق بين هذا الطرح والمبادرة المصرية ولماذا تعتبر الأفكار المصرية خيانة، والطرح السورى صموداً، وأن يتساءل: لماذا تجاهلت قناة الجزيرة تصريحات بشار؟
كنت أتمنى من الرئيس مبارك ألا يكتفى بالرسائل ذات المغزى التى يفهمها أصحابها، وأن يشرح لنا حقيقة قلقه من اتفاق «ليفنى - رايس» الأمنى، وأن يوضح لنا حجم خطورته على الأمن القومى المصرى، وأن يحرص على توجيه رسالة واضحة ومفصلة للداخل، مثلما يحرص على توجيه رسائله المقتضبة للخارج.
كنت أتمنى من الرئيس مبارك أن يكون صريحاً أكثر من اللازم، وواضحاً أكثر مما ينبغى، وأن يقول كل شىء دون مراعاة لأى اعتبارات سياسية، لأنه من المؤكد يعلم ان صراحة مصر ستجرح الجميع، وستسبب حرجاً لجميع الأطراف.
تلك الصراحة المطلقة هى فقط القادرة على استعادة ما فقدته مصر فى الهجمة الإعلامية الشرسة التى طالتها، وهى وحدها القادرة على إقناع المصريين بأنهم يمكن أن يختلفوا مع نظامهم الحاكم كما يشاؤون، وأن يتقاطعوا مع برامجه وسياساته، لكن أحداً لا يجب أن يختلف على وطنية الإدارة المصرية ونزاهتها، حتى لو اختلفنا على تقييم أدائها فى الأزمة الأقرب ــ قطعاً ــ للفشل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق